تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال آخرون: لا بأس بالزيادة المذكورة، واستحب بعضهم الزيادة المذكورة.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في هذه المسألة: أن الأفضل هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والاقتصار على لفظ تلبيته الثابت في الصحيحين وغيرهما، لأن الله تعالى يقول:

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

[الأحزاب: 21] وهو صلى الله عليه وسلم يقول

" لتأخذوا عني مناسككم "

وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها. والدليل على ذلك من وجهين:

أحدهما: ما رواه مسلم في صحيحه، عن ابن عمر رضي الله عنهما بعد أن ساق حديثه بلفظ تلبية النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة قال: قال نافع: كان عبدالله رضي الله عنه، يزيد مع هذا: لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك، والعمل. وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضا بعد أن ساق حديثه، بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ابن عمر من رواية ابنه سالم رضي الله عنه، وكان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يهل بإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك والرغباء إليك والعمل. ا ه.

وقال ابن حجر في الفتح بعد أن ذكر الرواية عن عمر وابنه عبدالله، فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه ا ه.

ومعلوم أن الزيادة على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم، لو كان فيها محذور، لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنه عبدالله رضي الله عنهما.

الوجه الثاني: هو ما ثبت في صحيح مسلم في حديث جابر الطويل، فإن فيه ما نصه: فأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذين يهلون به فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه. انتهى محل الغرض من حديث جابر المذكور، وهو واضح في أنهم يزيدون على تلبيته صلى الله عليه وسلم، ويقرهم على ذلك، ولم ينكره عليهم كما ترى.

وأما أول وقتها: فأظهر أقوال أهل العلم فيه: أنه أول الوقت، الذي يركب فيه مركوبه عند إرادة ابتداء السير لصحة الأحاديث الواردة، بأنه صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به راحلته.

قال البخاري في صحيحه: باب من أهل حين استوت به راحلته قائمة: حدثنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج، قال أخبرني صالح بن كيسان، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: قال: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة: باب الإهلال مستقبل القبلة، وقال أبو معمر: حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما: إذا صلى بالغداة بذي الحليفة، أمر براحلته فرحلت، ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائما، ثم يلبي حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك، حتى إذا جاء ذا طوى بات به، حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.

تابعه إسماعيل عن أيوب في الغسل: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، حدثنا فليح، عن نافع قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أراد الخروج إلى مكة ادهن بدهن، ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد الحليفة، فيصلي ثم يركب، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. انتهى من صحيح البخاري.

فهذه الروايات الصحيحة الثابتة، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه صلى الله عليه وسلم أحرم حين استوت به راحلته قائمة واضحة فيما ذكرنا، من أول وقت الإحرام، عندما يركب حالة شروعه في السير من الميقات.

وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبدالله أنه سمع أباه رضي الله عنه يقول: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا من عند المسجد يعني ذا الحليفة، وحدثناه قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم يعني: ابن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قيل له: الإحرام من البيداء قال: البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند الشجرة، حين قام به بعيره. وفي لفظ لابن عمر رضي الله عنهما عند مسلم: فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته. وفي لفظ له أيضا عند مسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا وضع رجله في الغرز، وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة. وفي مسلم عنه ألفاظ أخرى متعددة بهذا المعنى، ومراد ابن عمر رضي الله عنهما بكذبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإحرام من البيداء هو ما روه البخاري، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، بلفظ: فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته، حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه. الحديث، وما رواه البخاري رحمه الله في صحيحه أيضا، عن أنس بن مالك بلفظ قال:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٥٨