وإذا علمت الصحيح الذي دلت عليه النصوص، فاعلم أن في وقت انتهاء الرمي مذاهب للعلماء غير ما ذكرنا. فقد روي عن سعد بن أبي وقاص، وعائشة: أنه يقطع التلبية، إذا راح إلى الموقف، وعن علي، وأم سلمة: أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة، وهذا قريب من قول سعد وعائشة، وكان الحسن يقول: يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة، ومذهب مالك أنه يقطعها إذا زاغت الشمس من يوم عرفة، وقد روى مالك رحمه الله في الموطأ عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يلبي في الحج. حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة، قطع التلبية قال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا ا ه. وروى مالك في الموطأ أيضا عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أنها كانت تترك التلبية إذا رجعت إلى الموقف، وروي في الموطأ أيضا عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم. حتى يطوف بالبيت. وبين الصفا والمروة. ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة. فإذا غدا ترك التلبية. وكان يترك التلبية في العمرة، إذا دخل الحرم ا ه.
والتحقيق أنه لا يقطعها، إلا إذا رمى جمرة العقبة، لدلالة حديث الفضل بن عباس الثابت في الصحيح على ذلك، دلالة واضحة ودلالة حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح على تلبية النبي بمزدلفة أيضا، ولم يثبت في كتاب الله، ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يخالف ذلك، والعلم عند الله تعالى.
وأما حكم التلبية فقد اختلف فيه أهل العلم اختلافا معروفا، قال ابن حجر في فتح الباري: لم يتعرض المصنف لحكم التلبية، وفيها مذاهب أربعة، يمكن توصيلها إلى عشرة.
الأول: أنها سنة من السنن لا يجب بتركها شيء وهو قول الشافعي وأحمد.
ثانيها: واجبة ويجب بتركها دم حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة من الشافعية، وقال: إنه وجد للشافعي نصا يدل عليه وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية والخطابي عن مالك وأبي حنيفة وأغرب النووي فحكى عن مالك أنها سنة، ويجب بتركها دم، ولا يعرف ذلك عندهم إلا أن ابن الجلاب قال: التلبية في الحج مسنونة غير مفروضة، وقال ابن التين: يريد أنها ليست من أركان الحج وإلا فهي واجبة، ولذلك يجب بتركها الدم، ولو لم تكن واجبة لم يجب، وحكى ابن العربي: أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم، وهذا قدر زائد على أصل الوجوب.
ثالثها: واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج، كالتوجه على الطريق، وبهذا صدر ابن شاس من المالكية كلامه في الجواهر له، وحكى صاحب الهداية من الحنفية مثله، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين، وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إن كبر أو هلل أو سبح ينوي بذلك الإحرام، فهو محرم.
رابعها: أنها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها حكاه ابن عبد البر عن الثوري، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكية، والزبير من الشافعية، وأهل الظاهر قالوا: هي نظيرة تكبيرة الإحرام للصلاة، ويقويه ما تقدم من بحث ابن عبد السلام، عن حقيقة الإحرام، وهو قول عطاء، أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه، قال: التلبية فرض الحج، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وطاوس، وعكرمة، وحكى النووي: عن داود: أنه لا بد من رفع الصوت بها، وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنا. انتهى من فتح الباري.
وإذا عرفت مذاهب أهل العلم في حكم التلبية، فاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لبى كما ذكرنا وقال:
" لتأخذوا عني مناسككم "
فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا التلبية، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل: أما كونها مسنونة أو مستحبة أو واجبة يصح الحج بدونها، وتجبر بدم فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص، والخير كله في اتباعه صلى الله عليه وسلم، والعلم عند الله تعالى.