تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال أبو عبد الرحمن النسائي في سننه أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا يزيد، هو ابن زريع قال: حدثنا خالد عن عكرمة، عن ابن عباس قال:

" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أيام منى فيقول " لا حرج " فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح قال: " لا حرج " فقال رجل: رميت بعد ما أمسيت قال: " لا حرج " "

انتهى منه، وهذا الحديث صحيح الإسناد كما ترى، لأن طبقته الأولى، محمد بن عبدالله بن بزيع، وهو ثقة معروف، وهو من رجال مسلم في صحيحه، وبقية إسناده هي بعينها إسناد البخاري الذي ذكرناه آنفا، وقوله في هذا الحديث الصحيح: أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد، فهو صادق بحسب وضع اللغة ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلا إلى الليل كما بينا.

فإن قيل: صيغة الجمع في رواية النسائي تخصص بيوم النحر الوارد في رواية البخاري فيحمل ذلك الجمع على المفرد نظرا لتخصيصه به، ويؤيد ذلك: أن في رواية أبي داود وابن ماجه لحديث ابن عباس المذكور، يوم منى بالإفراد.

فالجواب: أن المقرر في الأصول أن ذكر بعض أفراد العام، بحكم العام لا يخصصه على مذهب الجمهور، خلافا لأبي ثور. سواء كان العام، وبعض أفراده المذكور بحكمه في نص واحد أو نصين.

فمثال كونهما في نص واحد قوله تعالى:

حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى

[البقرة: 238] فلا يخصص عموم الأمر بالمحافظة على جميع الصلوات بالصلاة الوسطى بل المحافظة على جميعها واجبة.

ومثال كونهما في نصين:

" حديث ابن عباس العام في جلود الميتة " أيما إهاب دبغ فقد طهر " مع حديثه الآخر أنه تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به " "

الحديث، فذكر جلد الشاة في هذا الحديث الآخير لا يخصص عموم الجلود المذكورة " أيما إهاب دبغ " الحديث، فذكر جلد الشاة في هذا الحديث الأخير لا يخصص عموم الجلود المذكورة " أيما إهاب دبغ " الحديث، فجواز الانتفاع عام في جلد الشاة، وفي غيرها من الأهب إلا ما أخرجه دليل خاص، لأن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما لا يخصص به العموم.

وذكر ما وافقه من مفرد

ومذهب الراوي على المعتمد

وللمخالفين القائلين: لا يجوز الرمي ليلا أن يردوا هذا الاستدلال فيقولوا رواية النسائي العامة في أيام منى فيها أنه كان يسأل فيها فيقول

" لا حرج "

وأنه سأله رجل فقال: رميت بعد ما أمسيت فقال

" لا حرج "

ولم يعين اليوم الذي قال فيه: رميت بعد ما أمسيت وعموم أيام منى صادق بيوم النحر وقد بينت رواية البخاري أن ذلك السؤال وقع في خصوص يوم النحر من أيام منى ولا ينافي ذلك أنه قال: لا حرج في أشياء أخر في بقية أيام منى، وغاية ذلك أن أيام منى عام ورواية البخاري عينت اليوم الذي قال فيه رميت بعد ما أمسيت.

الجواب الثالث: هو ما قدمنا في الموطأ عن ابن عمر من: أنه أمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها، برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنهما لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي صلى الله عليه وسلم أن الرمي ليلا جائز، وقد يقال: إن صفية وابنة أخيها كان لهما عذر، لأن ابنة أخيها عذرها النفاس ليلة المزدلفة وهي عذرها معاونة ابنة أخيها، والعلم عند الله تعالى.

الفرع السابع: اعلم أنه لا بأس بلقط الحصيات من المزدلفة: أعني السبع التي ترمى بها جمرة العقبة يوم النحر، وبعض أهل العلم يقول: إن لقطها من المزدلفة مستحب، واستدلوا لذلك بأمرين:

الأول:

" حديث الفضل بن العباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة يوم النحر " القط لي حصى " "

فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف، قال النووي في شرح المهذب: وأما حديث الفضل بن عباس في لقط الحصيات، فصحيح رواه البيهقي بإسناد حسن أو صحيح وهو على شرط مسلم من رواية عبدالله بن عباس، عن أخيه الفضل بن عباس، ورواه النسائي وابن ماجه بإسنادين صحيحين إسناد النسائي، على شرط مسلم، لكنهما روياه من رواية ابن عباس مطلقا، وظاهر روايتيهما أنه عبدالله بن عباس، لا الفضل وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في الأطراف في مسند عبدالله بن عباس، لا الفضل بن عباس، ولم يذكره في مسند الفضل والجميع صحيح كما ذكرناه، فيكون ابن عباس وصله في رواية البيهقي وأرسله في روايتي النسائي، وابن ماجه، وهو مرسل صحابي وهو حجة لو لم يعرف المرسل عنه فأولى بالاحتجاج، وقد عرف هنا أنه الفضل بن عباس.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٣٣