فالحاصل: أن الحديث صحيح من رواية الفضل بن عباس والله أعلم، انتهى كلام النووي.
الأمر الثاني: أن السنة أنه إذا أتى منى لا يشتغل بشيء قبل الرمي، فاستحب أن يأخذ الحصى من منزله بمزدلفة لئلا يشتغل عن الرمي بلقطه إذا أتى منى، ولا شك أنه إن أخذ الحصى من غير المزدلفة أنه يجزئه لأن اسم الحصى يقع عليه، والله تعالى أعلم.
الفرع الثامن: اعلم أن السنة أن يكون الحصى الذي يرمي به مثل حصى الخذف، لأحاديث واردة بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث جابر الطويل في صحيح مسلم: فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف الحديث.
قال في اللسان: والخذف رميك بحصاة، أو نواة تأخذها بين سبابتيك، وقال الجوهري في صحاحه: الخذف بالحصى الرمي به بالأصابع ومنه قول الشاعر: " خذف أعسرا " ا ه منه، والشاعر امرؤ القيس وتمام البيت:
كأن الحصى من خلفها وأمامها
إذا نجلته رجلها خذف أعسرا
الفرع التاسع: اعلم أن جمهور العلماء على أن رمي جمرة العقبة واجب يجبر بدم، وخالف عبدالملك بن الماجشون من أصحاب مالك الجمهور فقال: هو ركن واحتج الجمهور بالقياس على ا لرمي في أيام التشريق واحتج ابن الماجشون: بأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها، وقال
" لتأخذوا عني مناسككم "
كما في صحيح مسلم، وفي رواية البيهقي
" خذوا عني مناسككم "
وفي رواية أبي داود:
" لتأخذوا عني مناسككم ".
الفرع العاشر: أجمع العلماء على أنه لا يرمي من الجمرات يوم النحر إلا جمرة العقبة.
الفرع الحادي عشر: اعلم أن الأفضل في موقف من أراد رمي جمرة العقبة أن يقف في بطن الوادي، وتكون منى عن يمينه، ومكة عن يساره كما دلت الأحاديث الصحيحة، على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك.
قال النووي في شرح المهذب: وبهذا قال جمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وجابر، والقاسم بن محمد، وسالم، وعطاء، ونافع، والثوري، ومالك وأحمد، قال ابن المنذر: وروينا أن عمر رضي الله عنه خاف الزحام فرماها من فوقها.
المسألة التاسعة: اعلم أنه إذا رمى الجمرة يوم النحر وحلق فقد تحلل التحلل الأول، وبه يحل كل شيء كان محظورا بالإحرام إلا النساء. وعند مالك: إلا النساء والصيد والطيب، فإن طاف طواف الإفاضة وكان قد سعى بعد طواف القدوم، أو سعى بعد إفاضته فقد تحلل التحلل الثاني، وبه يحل كل شيء كان محظورا بالإحرام، حتى النساء والصيد والطيب.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أنهم اختلفوا في الحلق، هل هو نسك كما قدمناه في سورة البقرة؟
فمن قال: هو نسك قال: إن التحلل الأول، لا يكون إلا بعد الرمي والحلق معا، ومن قال: إن الحلق غير نسك قال: يتحلل التحلل الأول بمجرد انتهائه من رمي جمرة العقبة يوم النحر.
وأظهر القولين عندي: أن الحلق نسك، كما قدمنا إيضاحه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى
فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي
[البقرة: 196] الآية.
الفرع الثاني: في مذاهب العلماء في مسألة التحلل: فمذهب مالك: أنه بمجرد رمي جمرة العقبة يوم النحر: يحل له كل شيء إلا النساء والصيد والطيب، والطيب مكروه عنده بعد رميها لا حرام، وإن طاف طواف الإفاضة. وكان قد سعى حل له كل شيء، ومذهب أبي حنيفة: أنه إذا حلق، أو قصر حل التحلل الأول، ويحل به كل شيء عنده إلا النساء، وإن طاف طواف الإفاضة. حل له النساء، وهم يقولون إن حل النساء بعد الطواف، إنما هو بالحلق السابق، لا بالطواف لأن الحلق هو المحلل، دون الطواف، غير أنه أخر عمله إلى ما بعد الطواف فإذا طاف عمل الحلق عمله كالطلاق الرجعي أخر عمله إلى انقضاء العدة لحاجته إلى الاسترداد، فإذا انقضت عمل الطلاق عمله فبانت.
والدليل على ذلك: أنه لو لم يحلق حتى طاف بالبيت لم يحل له شيء حتى يحلق، وبذلك تعلم أن المدار عندهم على الحلق، إلا أن الحلق عندهم بعد رمي جمرة العقبة، وبعد النحر إن كان الحاج يريد النحر، ومذهب الشافعي في هذه المسألة هو: أنه على القول بأن الحلق نسك، يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة هي: رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة، فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة تحلل التحلل الأول، وإن فعل الثالث منها تحلل التحلل الثاني، وبالأول يحل عنده كل شيء إلا النساء، وبالثاني تحل النساء، وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك، فالتحلل الأول يحصل بواحد من اثنين: هما رمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة. ويحصل التحلل الثاني بفعل الثاني، ومذهب الإمام أحمد هو أنه إن رمى جمرة العقبة، ثم حلق تحلل التحلل الأول، وبه يحل عنده كل شيء إلا النساء، فإن طاف طواف الإفاضة، حلت له النساء.