وقال الشيخ المواق في شرحه: لمختصر خليل بن إسحاق المالكي في الكلام على قوله: والليل قضاء، قال ابن شاس. للرمي وقت أداء، ووقت قضاء، ووقت فوات، فوقت الأداء: في يوم النحر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس قال: وتردد الباجي في الليلة التي تلي يوم النحر هل هي وقت أداء، أو وقت قضاء؟ ووقت الأداء في كل يوم من الأيام الثلاثة، من بعد الزوال، إلى مغيب الشمس، وبتردد في الليل كما تقدم انتهى منه.
وقال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي: ولو أخر الرمي إلى الليل رماها، ولا شيء عليه، لأن الليل تبع لليوم في مثل هذا، كما في الوقوف بعرفة، فإن أخره إلى الغد رماه وعليه دم انتهى كرماني انتهى منه.
وقال بعض أهل العلم: إن غربت الشمس من يوم النحر، وهو لم يرم جمرة العقبة، لم يرمها في الليل، ولكن يؤخر رميها، حتى تزول الشمس من الغد، قال ابن قدامة في المغني: فإن أخرها إلى الليل، لم يرمها، حتى تزول الشمس من الغد وبهذا قال أبو حنيفة، وإسحاق، وقال الشافعي ومحمد بن المنذر ويعقوب: يرميها ليلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم
" ارم ولا حرج "
انتهى من المغني.
فإذا عرفت أقوال أهل العلم في الرمي ليلا هل يجوز أو لا؟ وعلى جوازه هل هو أداء أو قضاء؟
فاعلم أن من قال بجواز الرمي ليلا، استدل بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أنه لا حجر على من رمى بعد ما أمسى، قال البخاري في صحيحه: حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
" كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى فيقول " لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج، قوال: رميت بعد ما أمسيت؟ فقال: لا حرج " "
قالوا: قد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأن من رمى بعد ما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل.
واعلم أن من قالوا: لا يجوز الرمي ليلا ردوا الاستدلال بهذا الحديث قائلين: إن مراد السائل بقوله بعد ما أمسيت يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل قالوا: والدليل الواضح على ذلك: أن حديث ابن عباس المذكور فيه: كان النبي صلى الله عليه وسلم، يسأل يوم النحر بمنى الحديث، فتصريحه بقوله يوم النحر، يدل على أن السؤال وقع في النهار والرمي بعد الإمساء، وقع في النهار، لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل.
قال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور: قال: رميت بعد ما أمسيت: أي بعد دخول المساء وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام، فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل انتهى منه.
وقال ابن منظور في: لسان العرب المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال بعضهم: إلى نصف الليل ا ه.
قالوا: فالحديث صريح في أن المراد بالإمساء فيه آخر النهار، بعد الزوال لا الليل، وإذا فلا حجة فيه للرمي ليلا، وأجاب القائلون: بجواز الرمي ليلا عن هذا بأجوبة:
الأول منها: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم
" لا حرج "
بعد قول السائل: رميت بعد ما أمسيت يشمل لفظه نفي الحرج، عمن رمى بعد ما أمسى وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار وجزء من الليل، وسبب ورود الحديث المذكور خاص بالنهار، وقد قدمنا الأدلة الصحيحة على أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.
الجواب الثاني: أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس المذكور، ما هو أعلم من يوم النحر، وهو صادق قطعا، بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام التشريق، ومعلوم أن الرمي فيها لا يكون إلا بعد الزوال فقول السائل في بعض أيام التشريق: رميت بعد ما أمسيت لا ينصرف إلا إلى الليل، لأن الرمي فيها بعد الزوال معلوم فلا يسأل عنه صحابي.