تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الصفا والمروة من شعآئر الله

[البقرة: 158] والدليل على أنه فعله بيانا للآية هو قوله صلى الله عليه وسلم

" نبدأ بما بدأ الله به "

يعني الصفا لأن الله بدأ بها في قوله:

إن الصفا والمروة

[البقرة: 158] الآية. وفي رواية " أبدأ " بهمزة المتكلم والفعل مضارع. وفي رواية عند النسائي

" ابدؤوا بما بدأ الله به "

بصيغة الأمر.

الدليل الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قال

" لتأخذوا عني مناسككم "

وقد طاف بين الصفا والمروة سبعا، فيلزمنا أن نأخذ عنه ذلك من مناسكنا، ولو تركناه لكنا مخالفين أمره بأخذه عنه، والله تعالى يقول:

فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم

[النور: 63] فاجتماع هذه الأمور الثلاثة التي ذكرنا يدل على اللزوم: وهي كونه سعى بين الصفا والمروة سبعا، وأن ذلك بيان منه لآية من كتاب الله وأنه قال:

" لتأخذوا عني مناسككم ".

أما طوافه بينهما سبعا فهو ثابت بالروايات الصحيحة.

منها: حديث ابن عمر الثابت في الصحيح ولفظه في صحيح البخاري. قال:

" قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعا. لقد كان لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة "

وفي لفظ في صحيح مسلم، من حيث ابن عمر " فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف " والروايات بسعيه صلى الله عليه وسلم سبعا بين الصفا والمروة كثيرة معروفة.

وقد مثلنا لها بحديث ابن عمر المتفق عليه. وأما كون ذلك السعي بيانا لآية

إن الصفا والمروة من شعآئر الله

[البقرة: 158] الآية. فهو أمر لا شك فيه، ويدل عليه أمران:

أحدهما: سبب نزول الآية، لأنه ثبت في الصحيحين أنها نزلت في سؤالهم عن السعي بين الصفا والمروة، وإذا كانت نازلة جوابا عن سؤالهم عن حكم السعي، بين الصفا والمروة، فسعى النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها بيان لها.

والأمر الثاني: هو ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم

" أبدأ بما بدأ الله به "

يعني الصفا كما تقدم قريبا، وأما حديث

" لتأخذوا عني مناسككم "

فقد قال مسلم في صحيحه في باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا، وبيان قوله صلى الله عليه وسلم

" لتأخذوا عني مناسككم "

حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعلي بن خشرم جميعا، عن عيسى بن يونس، قال ابن خشرم: أخبرنا عيسى، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول

" لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه "

وقال البيهقي في السنن الكبرى: في باب الإيضاح في وادي محسر: وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا سليمان بن أحمد بن أيوب، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا إبراهيم قال: وحدثنا حفص ثنا قبيصة قال: وحدثنا يوسف القاضي، ومعاذ بن المثنى قالا: ثنا ابن كثير، قالوا: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أفاض النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأوضع في وادي محسر، وأمرهم أن يرموا الجمار مثل حصى الخذف، وقال

" خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا "

انتهى منه.

وقال النووي في شرح المهذب: إن هذا الإسناد الذي رواه به البيهقي صحيح على شرط البخاري، ومسلم.

واعلم أن رواية مسلم ورواية البيهقي المذكورتين معناهما واحد، لأن

" خذوا عني مناسككم "

بصيغة فعل الأمر يؤدي معنى قوله " لتأخذوا عني " بالفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، فكلتا الصيغتين صيغة أمر، ومن المعلوم أن الصيغ الدالة على الأمر أربع، الأولى فعل الأمر نحو

أقم الصلاة لدلوك الشمس

[الإسراء: 78] وقوله

" خذوا عني مناسككم ".

الثانية: الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى

ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢١١