المسألة السادسة:
اعلم أن العلماء اختلفوا في طواف القارن والمتمتع إلى ثلاثة مذاهب.
الأول: أن على القارن طوافا واحدا وسعيا واحدا، وأن ذلك يكفيه لحجه، وعمرته، وأن على المتمتع طوافين وسعيين، وهذا مذهب جمهور العلماء منهم مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايات.
الثاني: أن على كل واحد منهما سعيين وطوافين وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
الثالث: أنهما معا يكفيهما طواف واحد، وسعي واحد وهو مروي عن الإمام أحمد. أما الجمهور المفرقون بين القارن والمتمتع القائلون: بأن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف زيارة واحد، وهو طواف الإفاضة، وسعي واحد فاحتجوا بأحاديث صحيحة ليس مع مخالفيهم ما يقاومها.
منها: ما ثبت في صحيح مسلم بن الحجاج رحمه الله: حدثني محمد بن حاتم، حدثنا بهز، حدثنا وهب، حدثنا عبدالله بن طاوس، عن أبيه،
" عن عائشة رضي الله عنها: أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت، حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم، " يسعك طوافك لحجك وعمرتك " "
الحديث ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنها كانت محرمة أولا، ومنعها الحيض من الطواف فلم يمكنها أن تحل بعمرة فأهلت بالحج مع عمرتها الأولى فصارت قارنة، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح. بأنها قارنة حيث قال
" لحجك وعمرتك "
ومع ذلك صرح، بأنها يكفيها لهما طواف واحد.
وقال مسلم رحمه الله أيضا في صحيحه: وحدثني حسن بن علي الحلواني، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني إبراهيم بن نافع، حدثني عبدالله بن أبي نجيح، عن مجاهد،
" عن عائشة رضي الله عنها: أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك " "
ا ه منه.
فهذا الحديث الصحيح صريح في أن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد.
ومنها: حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه، قال البخاري رحمه الله في صحيحه في بعض رواياته لهذا الحديث: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن أيوب عن نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما دخل ابنه عبيد الله بن عبدالله وظهره في الدار فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس فقال: فيصدوك عن البيت، فلو أقمت؟ فقال: قد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل بيني وبينه أفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة
[الأحزاب: 21] ثم قال: أشهدكم أني أوجبت مع عمرتي حجا، قال: ثم قدم فطاف لهما طوافا واحدا.
حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما أراد الحاج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال، وإنا نخاف أن يصدوك؟ فقال:
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة
[الأحزاب: 21] إذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم خرج إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت حجا من عمرتي، وأهدى هديا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك فلم ينحر: ولم يحل من شيء حرم منه، ولم يحلق، ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وخلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج، والعمرة بطوافه الأول، وقال ابن عمر رضي الله عنهما كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى منه. وفي هذا الحديث الصحيح التصريح من ابن عمر باكتفاء القارن بطواف واحد وأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعل. وبعض العلماء حمل الطواف المذكور، على طواف الإفاضة، وبعضهم حمله على الطواف بين الصفا والمروة. أما حلمه على طواف القدوم فباطل بلا شك، لأن النبي لم يكتف بطواف القدوم، بل طاف طواف الإفاضة الذي هو ركن الحج بإجماع المسلمين.