تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال الكرماني في شرح الحديث المذكور، فإن قلت: ما المقصود من الطواف الأول إذ لا يجوز أن يراد به طواف القدوم؟

قلت: يعني أنه لم يكرر الطواف للقران، بل اكتفى بطواف واحد، وقد أخرج حديث ابن عمر هذا مسلم في صحيحه من طرق متعددة، وفي لفظ منها: أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرة، فانطلق حتى ابتاع بقديد هديا، ثم طاف لهما طوافا واحدا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم لم يحل منهما حتى حل منهما بحجة يوم النحر ا ه.

وقال النووي معناه: حتى حل منهما يوم النحر بعمل حجة مفردة. وفي بعض روايات مسلم لحديث ابن عمر هذا: أشهدكم أني أوجبت حجا مع عمرتي، وأهدى هديا اشتراه بقديد، ثم انطلق يهل بهما جميعا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر، ولم يحلق، ولم يقصر، ولم يحلل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى منه، وهو صريح في أن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن مراد ابن عمر في قوله: ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، في مسلم والبخاري، هو الطواف بين الصفا والمروة، ويدل على ذلك أمران:

الأول منهما: هو ما قدمنا في بعض روايات مسلم في صحيحه مما لفظه: ثم طاف لهما طوافا واحدا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم لم يحل منهما، حتى حل منهما بحجة، ومعلوم أن الحل بحجة لا يمكن بدون طواف الإفاضة.

أما السعي في الحجة، فيكفي فيه السعي الأول بعد طواف القدوم، فيتعين أن الطواف الأول الذي رأى إجزاءه عن حجه وعمرته، هو الطواف بين الصفا والمروة، بدليل الرواية الصحيحة، بأنه لم يحل منهما إلا بحجة يوم النحر، وحجة يوم النحر أعظم أركانها طواف الإفاضة، فبدونه لا تسمى حجة لأنه ركنها الأكبر المنصوص على الأمر به في كتاب الله في قوله تعالى:

وليطوفوا بالبيت العتيق

[الحج: 29].

الأمر الثاني: الدال على ذلك، هو: أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم الثابت عنه في الروايات الصحيحة، أنه اكتفى بسعيه بين الصفا والمروة، بعد طواف القدوم لحجه وعمرته، وأنه بعد إفاضته من عرفات، طاف طواف الإفاضة يوم النحر على التحقيق، فحديث ابن عمر هذا نص صحيح متفق عليه، على أن القارن يعلم كعمل المفرد، وعلى هذا يحمل الطواف الواحد في حديث عائشة الآتي فيفسر بأنه الطواف بين الصفا والمروة، لأن القارن لا يسعى لحجه وعمرته إلا مرة واحدة.

وقال ابن حجر في الفتح في كلامه على الروايتين اللتين أخرج بهما البخاري حديث ابن عمر المذكور أعني اللتين سقناهما آنفا ما نصه: والحديثان ظاهران في أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد كالمفرد، وقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر أصرح من سياق حديثي الباب في الرفع، ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

" من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد "

وأعله الطحاوي بأن الدراوردي أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسك في تخطئته بما رواه أيوب، والليث، وموسى بن عقبة وغير واحد عن نافع نحو سياق ما في الباب، من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، لا أنه روى هذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو إعلال مردود، فالدراوردي صدوق، وليس ما رواه مخالفا لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين انتهى كلام ابن حجر في الفتح.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا الحديث الذي نحن بصدده ليس بموقوف على كلا التقديرين، لأن ابن عمر لما طاف لهما طوافا واحدا، أخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك وهذا عين الرفع، فلا وقف ألبتة كما ترى، وحديث ابن عمر هذا الذي ذكر ابن حجر في الفتح: أن سعيد بن منصور أخرجه أصرح من حديثي الباب عند البخاري قال فيه المجد في المنتقى: رواه أحمد وابن ماجه، وفي لفظ: من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعا رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٨٧