تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قدمنا أدلة من قال بهذا كحديث بلال بن الحرث المزني في السنن، وحديث أبي ذر في مسلم أن ذلك كان خالصا بذلك الركب في حجة الوداع، وعمل الخلفاء الراشدين نحو أربع وعشرين سنة، وغيرهم من المهاجرين، والأنصار من أفاضل الصحابة، كما ثبت في الصحيحين عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما وثبت عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان في الصحيحين وغيرهما ذلك وقد قدمنا أن الآثار والأحاديث التي ذكرها ابن حزم عنهم مخالفة لذلك لا يلتفت إليها مع الروايات الثابتة في الصحيحين، القاضية بخلافها، فإن قيل سلمنا تسلميا جدليا أن القران مع النبي صلى الله عليه وسلم، والتمتع الواقع من الصحابة بأمره في حجة الوداع، كانا لأجل بيان الجواز فاللازم أن تكون مشروعية أفضليتهما باقية كالرمل في الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى، فإنه صلى الله عليه وسلم فعله، وأمر به لسبب خاص، وهو أن يرى المشركين قوة الصحابة، وأنهم لم يضعفهم مرض، ومع كون ذلك لهذا السبب فمشروعية سنيته باقية فليكن قرانه، وتمتع أصحابه بأمره لذلك السبب كذلك.

فالجواب: أن الرمل المذكور لم يرد فيه دليل، يدل على خصوصه بذلك الوقت، بل ثبت ما يدل على بقاء مشروعيته، وهو رمله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعد زوال السبب، والتمتع والقران المذكوران وردت فيهما أدلة تدل على خصوصهما بذلك الركب كحديث بلال بن الحرث المزني، وحديث أبي ذر إلى آخر ما تقدم.

وقد قدمنا مناقشة من ضعف الأول، بأن الحارث بن بلال راوي الحديث، عن أبيه مجهول، وأن حديث أبي ذر موقوف.

وبالجملة: فإنه يبعد كل البعد أن أبا بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم يتواطؤون واحدا بعد واحد في نحو أربع وعشرين سنة على إفراد الحج متعمدين لمخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وجميع الصحابة حاضرون، ولم ينكر منهم أحد، فهذه دعوى باطلة ومقتضاها: أن الأمة جميعها، وخلفاءها الراشدين مكثت هذا الزمن الطويل، وهي على باطل، فهذا باطل بلا شك.

واعلم أن قول عمران بن حصين رضي الله عنه في حديثه المتقدم، معرضا بعمر رضي الله عنه قال رجل برأيه ما شاء، يعني به: نهى عمر عن التمتع أما إفراده الحج في زمن خلافته، فلم ينكره هو ولا غيره. ومذهب ابن عباس رضي الله عنهما في أن من طاف حل بعمرة شاء أو أبى مذهب مهجور خالفه فيه الصحابة والتابعون، فمن بعدهم فهو كقوله: بنفي العول وبأن الأم لا يحجبها من الثلث إلى السدس، أقل من ثلاثة.

فإن قيل: مذهبه هذا ليس كذلك لأنه دلت عليه نصوص.

فالجواب: هو ما ذكرنا من حجج من خالفوه وهم عامة علماء الأمة والعلم عند الله تعالى.

قال مقيده عفا الله وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة، هو ما اختاره العلامة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله في منسكه، وهو: إفراد الحج بسفر ينشأ له مستقلا، وإنشاء سفر آخر مستقل للعمرة.

فقد قال رحمه الله في منسكه: إن عمر رضي الله عنه لم ينه عن المتعة ألبتة، وإنما قال: إن أتم لحجكم، وعمرتكم أن تفصلوا بينهما فاختار عمر لهم أفضل الأمور، وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده، وهذا أفضل من القران، والتمتع الخاص بدون سفرة أخرى. وقد نص على ذلك أحمد، وأبو حنيفة، ومالك والشافعي وغيرهم وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما وكان عمر يختاره للناس، وكذلك علي، وقال عمر وعلي في قوله تعالى

وأتموا الحج والعمرة لله

[البقرة: 196] قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم لعائشة في عمرتها

" أجرك على قدر نصبك "

فإذا رجع الحاج إلى دويرة أهله، فأنشأ العمرة منها، واعتمر قبل أشهر الحج، وأقام حتى يحج أو اعتمر في أشهره، ورجع إلى أهله، ثم حج فها هنا قد أتى بكل واحد من النسكين من دويرة أهله. وهذا إتيان بهما على الكمال فهو أفضل من غيره انتهى منه بواسطة نقل تلميذه ابن القيم في الزاد فترى هذا العلامة المحقق صرح بأن إفراد كل منهما بسفر أفضل من التمتع والقران، وأن الأئمة الأربعة متفقون على ذلك، وأن عمر، وعليا يجريان ذلك عملا بنص القرآن العظيم، وبذلك تعلم أن قول بعض المتأخرين بمنع الإفراد مطلقا مخالف للصواب كما ترى، والعلم عند الله تعالى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٨٥