وعن ابن عمر أنه يصلى عليه، وإن لم يستهل. وبه قال ابن سيرين وابن المسيب وإسحاق. انتهى بواسطة نقل النووي في شرح المهذب، ومذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه إذا لم يستهل صارخا، ولم يتحرك، فإن كان له أربعة أشهر غسل، وصلي عليه، وإلا فلا، أما إن استهل صارخا، فلا خلاف بينهم في الصلاة عليه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له اعلم أن اختلاف الأئمة في هذه المسألة من قبيل الاختلاف في تحقيق المناط، لأن مناط الأمر بالصلاة عليه، هو أن يعلم أنه تقدمت له حياة. ومناط عدم الصلاة عليه هو أن يعلم أنه لم تتقدم له حياة، فمالك ومن وافقه رأوا أنه إن استهل صارخا، أو طالت مدته حيا علم بذلك أنه مات بعد حياة، فيغسل ويصلى لعيه، وقالوا إن مطلق الحركة لا يدل على الحياة، لأن المذبوح قد يتحرك حركة قوية، وقالوا إنه إن رضع لم يدل ذلك على حياته. قالوا قد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما طعنه عدو الله معدودا في الأموات لو مات له مورث في ذلك الوقت ما ورثه، وهو قول ابن القاسم. ولو قتل رجل عمر في ذلك الوقت لما قتل به، لأنه في حكم الميت، وإن كان عمر في ذلك الوقت يتكلم ويعهد. والذين خالفوا هؤلاء قالوا لا نسلم ذلك فكل حركة قوية تدل على الحياة، وعمر ما دام قادرا على الحركة القوية الدالة على الحياة، فهو حي تجري عليه أحكام الحياة. والذين قالوا يغسل إن سقط بعد أربعة أشهر، استندوا في ذلك إلى حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في هذا المبحث نحو ما ساقه البخاري ومسلم، فإنه يدل على أنه بعد الأربعين الثالثة. ينفخ فيه الروح، وانتهاء الأربعين الثالثة هو انتهاء أربعة أشهر، فقد دل الحديث على نفخ الروح فيه بعد انتهاء الأشهر الأربعة، ونفخ الروح فيه في ذلك الحين مشعر بأنه مات بعد حياة والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى ﴿ وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ﴾. هذا برهان قاطع آخر على البعث وقوله ﴿ وترى ﴾ أي يا نبي الله.
وقيل وترى أيها الإنسان المخاطب وهي رؤية بصرية تتعدى إلى مفعول واحد. فقوله ﴿ هامدة ﴾ حال من الأرض، لا مفعول ثان لترى. وقوله هامدة أي يابسة قاحلة لا نبات فيها. وقال بعض أهل العلم، هامدة أي دارسة الآثار من النبات، والزرع. قالوا وأصل الهمود الدروس والدثور. ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس
قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا وأرى ثيابك باليات همدا
أي وأرى ثيابك باليات دارسات ﴿ فإذآ أنزلنا عليها المآء ﴾ أي سواء كان من المطر، أو الأنهار أو العيون أو السواني ﴿ اهتزت ﴾ أي تحركت بالنبات. ولما كان النبات نباتا فيها متصلا بها، كان اهتزازه كأنه اهتزازها فأطلق عليها بهذا الاعتبار، أنها اهتزت بالنبات. وهذا أسلوب عربي معروف. وقال أبو حيان في البحر المحيط واهتزازها تخلخلها واضطراب بعض أجسامها لأجل خروج النبات، وقوله ﴿ وربت ﴾ أي زادت وارتفعت وقال بعض أهل العلم وربت انتفخت، لأجل خروج النبات، وقال ابن جرير الطبري وربت أي أضعفت النبات بمجيء الغيث. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له أصل المادة التي منها ربت الزيادة، والظاهر أن معنى الزيادة الحاصلة في الأرض هي أن النبات لما كان نابتا متصلا بها صار كأنه زيادة حصلت في نفس الأرض. وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة والاهتزاز الحركة على سرور، فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت، إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع ا ه منه. والاهتزاز أصله شدة الحركة ومنه قوله
تثنى إذا قامت وتهتز إن مشت كما اهتز غصن البان في ورق خضر
وقوله ﴿ وأنبتت ﴾ أي أنبت الله فيها ﴿ من كل زوج ﴾ أي صنف من أصناف النبات، والزرع، والثمار ﴿ بهيج ﴾ أي حسن، والبهجة الحسن. ومنه قوله تعالى