تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقوله وتجعلي نطفة أي ماء قليلا في القعب، والمراد بالنطفة في هذه الآية الكريمة نطفة المني، وقد قدمنا في سورة النحل أن النطفة مختلطة من ماء الرجل، وماء المرأة، خلافا لمن زعم أنها من ماء الرجل وحده. الطور الثالث العلقة وهي القطعة من العلق، وهو الدم الجامد فقوله ﴿ ثم من علقة ﴾ أي قطعة دم جامدة، ومن إطلاق العلق على الدم المذكور قول زهير

إليك أعملتها فتلا مرافقها شهرين يجهض من أرحامها العلق

الطور الرابع المضغة وهي القطعة الصغيرة من اللحم، على قدر ما يمضغه الآكل، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم

" إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله "

الحديث. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾ صفة للنطفة وأن المخلقة هي ما كان خلقا سويا، وغير المخلقة هي ما دفعته الأرماح من النطف، وألقته قبل أن يكون خلقا، وممن روي عنه هذا القول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نقله عنه ابن جرير وغيره، ولا يخفى بعد هذا القول، لأن المخلقة وغير المخلقة من صفة المضغة، كما هو ظاهر. ومنها أن معنى مخلقة تامة، وغير مخلقة أي غير تامة، والمراد بهذا القول عند قائله أن الله جل وعلا يخلق المضغ متفاوتة، منها ما هو كامل الخلقة، سالم من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس، في خلقهم، وصورهم، وطولهم. وقصرهم، وتمامهم، ونقصانهم. وممن روي عنه هذا القول قتادة كما نقله عنه ابن جرير وغيره، وعزاه الرازي لقتادة والضحاك.

ومنها أن معنى مخلقة مصورة إنسانا، وغير مخلقة أي غير مصورة إنسانا كالسقط الذي هو مضغة، ولم يجعل له تخطيط وتشكيل، وممن نقل عنه هذا القول، مجاهد، والشعبي، وأبو العالية كما نقله عنهم ابن جرير الطبري. ومنها أن المخلقة هي ما ولد حيا، وغير المخلقة هي ما كان من سقط. وممن روي عنه هذا القول ابن عباس رضي الله عنهما. وقال صاحب الدر المنثور إنه أخرجه عنه ابن أبي حاتم وصححه ونقله عنه القرطبي وأنشد لذلك قول الشاعر

أفي غير المخلقة البكاء فأين الحزم ويحك والحياء

وقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال المخلقة المصورة خلقا تاما. وغير المخلقة السقط قبل تمام خلقه، لأن المخلقة، وغير المخلقة من نعت المضغة، والنطفة بعد مصيرها مضغة لم يبق لها حتى تصير خلقا سويا إلا التصوير. وذلك هو المراد بقوله ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾ خلقا سويا، وغير مخلقة بأن تلقيه الأم مضغة ولا تصوير، ولا ينفخ الروح. انتهى منه. وهذا القول الذي اختاره ابن جرير اختاره أيضا غير واحد من أهل العلم. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له هذا القول الذي اختاره الإمام الجليل الطبري رحمه الله تعالى، لا يظهر صوابه، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك وهي قوله جل وعلا في أول الآية ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ لأنه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى ثم خلقناكم من مضغة مخلقة، وخلقناكم من مضغة غير مخلقة. وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة، فيه من التناقض، كما ترى فافهم. فإن قيل في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة السقط، لأن قوله ﴿ ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ﴾ يفهم منه أن هناك قسما آخر لا يقره الله في الأرحام، إلى ذلك الأجل المسمى، وهو السقط. فالجواب أنه لا يتعين فهم السقط من الآية، لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره إلى أجل مسمى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة، وقد يقره أكثر من ذلك كيف شاء. أما السقط فقد دلت الآية على أنه غير مراد بدليل قوله ﴿ فإنا خلقناكم ﴾ الآية، لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتا، ولو بعد التشكيل والتخطيط، لم يخلق الله منه إنسانا واحدا من المخاطبين بقوله ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ الآية. فظاهر القرآن يقتضي أن كلا من المخلقة، وغير المخلقة يخلق منه بعض المخاطبين في قوله ﴿ يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ﴾ الآية. وبذلك تعلم أن أولى الأقوال في الآية، هو القول الذي لا تناقض فيه، لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضا، لا ليتناقض بعضه مع بعض، وذلك هو القول الذي قدمنا عن قتادة والضحاك، وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ولم يحك غيره وهو أن المخلقة هي التامة، وغير المخلقة هي غير التامة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٢٤