إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير
فاطر 6 وقوله تعالى
أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير
لقمان 21 وقوله تعالى عن نبيه وخليله إبراهيم
يأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا
مريم 45 وقوله تعالى
ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر
النور 21 إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أنه يفهم من دليل خطاب هذه الآية الكريمة، أعني مفهوم مخالفتها أنه من يجادل بعلم على ضوء هدى كتاب منير، كهذا القرآن العظيم، ليحق الحق، ويبطل الباطل بتلك المجادلة الحسنة أن ذلك سائغ محمود لأن مفهوم قوله
بغير علم
الحج 8 أنه إن كان بعلم، فالأمر بخلاف ذلك، وليس في ذلك اتباع للشيطان، ويدل لهذا المفهوم المذكور قوله تعالى
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن
النحل 125 وقوله تعالى
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن
العنكبوت 46. وقال الفخر الرازي في تفسيره هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل، يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة، فالمجادلة الباطلة هي المراد من قوله
ما ضربوه لك إلا جدلا
الزخرف 58 والمجادلة الحقة هي المراد من قوله
وجادلهم بالتي هي أحسن
النحل 125 ا ه. منه. وقوله تعالى في هذه الآية ﴿ عذاب السعير ﴾ يعني عذاب النار، فالسعير النار أعاذنا الله، وإخواننا المسلمين منها. والظاهر أن أصل السعير فعيل، بمعنى مفعول من قول العرب سعر النار، يسعرها كمنع يمنع إذا أوقدها، وكذلك سعرها بالتضعيف، وعلى لغة التضعيف والتخفيف القراءتان السبعيتان في قوله
وإذا الجحيم سعرت
التكوير 12 فقد قرأه من السبعة نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وعاصم في رواية حفص سعرت بتشديد العين وقرأه الباقون بتخفيف العين، ومما جرى من كلام العرب على نحو قراءة نافع، وابن ذكوان، وحفص قول بعض شعراء الحماسة
قالت له عرسه يوما لتسمعني مهلا فإن لنا في أمنا أربا ولو رأتني في نار مسعرة ثم استطاعت لزادت فوقها حطبا
إذ لا يخفى أن قوله مسعرة اسم مفعول سعرت بالتضعيف، وبما ذكرنا يظهر أن أصل السعير فعيل بمعنى اسم المفعول أي النار المسعرة أي الموقدة إيقادا شديدا لأنها بشدة الإيقاد يزداد حرها عياذا بالله منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل، وفي ذلك لغة ثالثة، إلا أنها ليست في القرآن وهي أسعر النار بصيغة أفعل، بمعنى أوقدها.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ويهديه إلى عذاب السعير ﴾ يدل على أن الهدى كما أنه يستعمل في الإرشاد والدلالة على الخير، يستعمل أيضا في الدلالة على الشر، لأنه قال ﴿ ويهديه إلى عذاب السعير ﴾ ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى
فاهدوهم إلى صراط الجحيم
الصافات 23 وقوله تعالى
وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار
القصص 41 الآية لأن الإمام هو من يقتدى به في هديه وإرشاده. وإطلاق الهدى في الضلال كما ذكرنا أسلوب عربي معروف وكلام البلاغيين في مثل ذلك، بأن فيه استعارة عنادية، وتقسيمهم العنادية إلى تهكمية وتمليحية، معروف كما أشرنا إليه سابقا وقوله تعالى ﴿ كل شيطان مريد ﴾ قد أوضحنا معنى الشيطان في سورة الحجر، والمريد والمارد في اللغة العربية العاتي، تقول مرد الرجل بالضم يمرد، فهو مارد، ومريد إذا كان عاتيا. والظاهر أن الشيطان في هذه الآية، يشمل كل عات يدعو إلى عذاب السعير، ويضل عن الهدى، سواء كان من شياطين الجن أو الإنس، والله تعالى أعلم.