" إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام "
ثم ذكر أن بعض العلماء خص ذلك بالمدينة دون غيرها. لحديث
" إن بالمدينة جنا قد أسلموا "
قالوا ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحدا أو لا. قاله ابن نافع. ثم ذكر عن مالك النهي عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد. ثم قال وهو الصحيح. لأن الله عز وجل قال
وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن
الأحقاف 29 الآية. وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
" أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن وفيه وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة "
وسيأتي بكماله في سورة " الجن " إن شاء الله تعالى. وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يخرج عليه وينذر، على ما يأتي بيانه إن شاء الله. ثم قال
" روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين ناحية البيت، فالتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار إلي أن أجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال أترى هذا البيت؟ فقلت نعم. قال كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " خذ عليك سلاحك، فإنني أخشى عليك قريظة " فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة. فقالت له اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه، فما يدري أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى. قال فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، وقلنا أدع الله يحيه لنا فقال " استغفروا لأخيكم ثم قال إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان ". وفي طريق أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر وقال لهم اذهبوا فادفنوا صاحبكم "
ثم قال قال علماؤنا رحمة الله عليهم لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي قتله الفتى كان مسلما، وأن الجن قتلته به قصاصا. لأنه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في اعلمد المحض، وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة إذ لم يكن عنده علم من ذلك، وإنما قصد إلى قتل ما سوغ قتل نوعه شرعا، فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه. فالأولى أن يقال إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوا وانتقاما. وقد قتلت سعد بن عبادة رضي الله عنه، وذلك أنه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا
قد قتلنا سيد الخز رج سعد بن عباده ورميناه بسهمين فلم تخط فؤاده
وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم
" إن بالمدينة جنا قد أسلموا "
ليبين طريقا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم، ويتسلط به على قتل الكافر منهم. وروي من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جانا. فأريت في المنام أن قائلا يقول لها لقد قتلت مسلما. فقالت لو كان مسلما لم يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. قال ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك. فأصبحت فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلت في سبيل الله. وفي رواية ما دخل عليك إلا وأنت مستترة. فتصدقت وأعتقت رقابا. وقال الربيع بن بدر الجان من الحيات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي. وعن علقمة نحوه. ثم ذكر صفة إنذار حيات البيوت فقال قال مالك أحب إلي أن ينذروا ثلاثة أيام.