تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.126

﴿ ولله ما في السموت وما في الأرض ﴾ جملة مبتدأة، سبقت لتقرير وجوب طاعة الله تعالى على أهل السماوات والأرض، ببيان أن جميع ما فيهما من الموجودات، له تعالى خلقا وملكا، لا يخرج عن ملكوته شيء منها، فيجازي كلا بموجب أعماله خيرا وشرا. وقيل: لبيان أن اتخاذه عز وجل لإبراهيم عليه السلام خليلا ليس لاحتياجه سبحانه إلى ذلك في شأن من شؤونه كما هو دأب الآدميين، فإن مدار خلتهم افتقار بعضهم إلى بعض في مصالحهم، بل لمجرد تكرمته وتشريفه عليه السلام. وقيل: لبيان أن الخلة لا تخرجه عن رتبة العبودية. وقيل: لبيان أن اصطفاءه عليه السلام للخلة، بمحض مشيئته تعالى، أي: له تعالى ما فيهما جميعا، يختار منهما ما يشاء لمن يشاء. أفاده أبو السعود.

﴿ وكان الله بكل شيء محيطا ﴾ يعني عالما علم إحاطة، لا تخفى عليه خافية من عباده، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.

4.127

﴿ ويستفتونك في النسآء ﴾ أي: ويسألونك الإفتاء في النساء، والإفتاء تبيين المبهم، ﴿ قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتب ﴾ ذكروا في (ما) وجوها: المختار منها أنها في موضع رفع بالعطف على المبتدأ، وهو لفظ الجلالة، أي: والمتلو في الكتاب يفتيكم فيهن أيضا، أو بالعطف على ضميره في ﴿ يفتيكم ﴾ وساغ، لمكان الفصل بالمفعول والجار والمجرور، وذلك المتلو في الكتاب هو قوله تعالى:

وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النسآء

[النساء: 3] قال الرازي: وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من أحوال النساء، فما كان منها غير مبين الحكم، ذكر أن الله يفتيهم فيها، وما كان منها مبين الحكم في الآيات المتقدمة، ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها، وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب، ألا ترى أنه يقال في المشهور: إن كتاب الله بين لنا هذا الحكم، وكما جاز هذا، جاز أيضا أن يقال: إن كتاب الله أفتى بكذا. قال أبو السعود: وإيثار صيغة المضارع للإيذان باستمرار التلاوة ودوامها، و ﴿ في الكتب ﴾ إما متعلق ب ﴿ يتلى ﴾ أو بمحذوف وقع حالا من المستكن فيه، أي: يتلى كائنا فيه ﴿ في يتمى النسآء ﴾ متعلق ب ﴿ يتلى ﴾ أي: ما يتلى عليكم في شأنهن، وهذه الإضافة بمعنى (من) لأنها إضافة الشيء إلى جنسه، وقيل: من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: النساء اليتامى ﴿ التي لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ أي: ما وجب لهن من الميراث وغيره ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت، في هذه الآية: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا، فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها. فنزلت هذه الآية. وعنها أيضا قالت: وقول الله عز وجل: ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من، أجل رغبتهم عنهن. وهذا المروي عن عائشة يدل على أن الآية نزلت في المعدمة، وأن الجار المقدر مع (أن) هنا هو (عن)، وقد تأولها سعيد بن جبير على المعنيين، أي: تقدير (عن) و (في) فقال نزلت في المعدمة والغنية.

قال الحافظ ابن حجر: والمروي عن عائشة أوضح، في أن الآية الأولى، أي: التي في أول السورة، نزلت في الغنية، وهذه الآية نزلت في المعدمة. قال ابن كثير: والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزوجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها، أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله عز وجل.

وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون له فيها رغبة، لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله عز وجل أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، وهي قوله: ﴿ في يتمى النسآء ﴾ الآية: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه.

محاسن التأويل · الصفحة ٧٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٠٢