تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.48

﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ قال أبو السعود: كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من الوعيد، وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر من الإيمان، ببيان استحالة المغفرة بدونه، فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمعون في المغفرة، كما في قوله تعالى:

فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا

[الأعراف: 169] (أي: على التحريف). والمراد بالشرك: مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاما أوليا، فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة، وقضى بخلود أصناف الكفرة في النار، ونزوله في حق اليهود، كما قال مقاتل، وهو الأنسب بسياق النظم الكريم، وسياقه لا يقتضي اختصاصه بكفرهم، بل يكفي اندراجه فيه قطعا، بل لا وجه له أصلا، لاقتضائه جواز مغفرة ما دون كفرهم في الشدة من أنواع الكفر، أي: لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان، لأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر، وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه، ولأن ظلمات الكفر والمعاصي إنما يسترها نور الإيمان، فمن لم يكن له إيمان لم يغفر له شيء من الكفر والمعاصي. انتهى.

قال الشهاب: الشك يكون بمعنى اعتقاد أن لله شريكا، وبمعنى الكفر مطلقا، وهو المراد هنا، وقد صرح به في قوله تعالى في سورة (لم يكن) بقوله:

إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيهآ

[البينة: 6]، فلا يبقى شبهة في عمومه. انتهى.

وقال الرازي: هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا، في عرف الشرع، ويدل عليه وجهان: الأول: أن الآية دالة على ما سوى الشرك مغفور، فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية، وبالإجماع هي غير مغفورة، فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك. الثاني: إن اتصال هذه الآية بما قبلها، إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود، فلولا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك، وإلا لم يكن الأمر كذلك، فإن قيل: قوله تعالى:

إن الذين آمنوا والذين هادوا

.. [الحج: 17] إلى قوله:

والذين أشركوا

[الحج: 17]، فعطف المشرك على اليهودي، وذلك يقتضي المغايرة - قلنا: المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي، والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي، ولا بد من المصير إلا ما ذكرناه، دفعا للتناقض. انتهى.

لطيفة

قال أبو البقاء: الشرك أنواع: شرك الاستقلال وهو إثبات إلهين مستقلين، كشرك المجوس، وشرك التبعيض، وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى، وشرك التقريب، وهو عبادة غير الله ليقرب إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية، وشرك التقليد، وهو عبادة غير الله تبعا للغير، كشرك متأخري الجاهلية، وشرك الأسباب، وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك، وشرك الأغراض، وهو العمل لغير الله، فحكم الأربعة الأولى: الكفر بإجماع، وحكم السادس: المعصية من غير كفر بإجماع، وحكم الخامس: التفصيل، فمن قال في الأسباب العادية إنها تؤثر بطبعها فقد حكى الإجماع على كفره، ومن قال إنها تؤثر بقوة أودعها الله فيها فهو فاسق.

انتهى. ﴿ ويغفر ما دون ذلك ﴾ أي: ما دون الشرك من المعاصي، صغيرة أو كبيرة ﴿ لمن يشآء ﴾ تفضلا منه وإحسانا، قال ابن جرير: وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله عز وجل، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرته شركا بالله عز وجل اه، وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلا منه ورحمة، وإن لم يقع من ذلك المذنب توبة، وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة، وقد تقدم قوله تعالى:

إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئتكم

[النساء: 31] وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر، فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته، ولذا قال الرازي: هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر، ثم جود وجوه الاستدلال، ومنها: أن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة، ومنها أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به وغير معلق على المشيئة، فوجب أن يكون الغفران المذكور في هذه الآية، هو غفران الكبيرة قبل التوبة، وهو المطلوب.

محاسن التأويل · الصفحة ٥٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٥٨٢