تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.161

﴿ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ﴾ أي: في التوراة ﴿ وأكلهم أموال الناس بالباطل ﴾ بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم ﴾ أي: من اليهود المصرين على الكفر، لا لمن تاب وآمن من بينهم ﴿ عذابا أليما ﴾ وجيعا يخلص إلى قلوبهم.

4.162

﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ أي: الثابتون في العلم المستبصرون فيه، كعبد الله بن سلام.

قال الرازي: الراسخون في العلم: الثابتون فيه، وهم في الحقيقة المستدلون، لأن المقلد يكون بحيث إذا شكك يشك، وأما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة، فالراسخون هم المستدلون. ﴿ والمؤمنون ﴾ أي: من الأميين اللاحقين بهم في الرسوخ بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ يؤمنون بمآ أنزل إليك ﴾ من القرآن ﴿ ومآ أنزل من قبلك ﴾ على سائر الأنبياء لاطلاعهم على كمالات المنزل عليك وأنه صدق ما أنزل من قبلك، فلا بد من الإيمان به أيضا ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ قال ابن كثير: هكذا هو في مصاحف الأئمة، وكذا هو في مصحف أبي بن كعب.

قال الزمخشري: ارتفاع ﴿ الراسخون ﴾ على الابتداء، و ﴿ يؤمنون ﴾ خبره ﴿ والمقيمين ﴾ نصب على المدح، لبيان فضل الصلاة، وهو باب واسع قد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف. وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أن السابقين الأولين، الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم، وخرقا يرفوه من يلحق بهم.

وقيل: هو عطف على: ﴿ بمآ أنزل إليك ﴾ أي يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وفي مصحف عبد الله (والمقيمون) بالواو. وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي. انتهى.

وجوز عطف ﴿ المقيمين ﴾ على الضمير في ﴿ منهم ﴾ وعطفه على الضمير في ﴿ إليك ﴾ ، والكتاب أنزل للنبي ولأتباعه، قال تعالى:

يأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ربكم

[يونس: 57] كذا في حواشي الشذور، وقد أشار الزمخشري بقوله (كانوا أبعد همة) إلى رد ما نقل، أن عثمان رضي الله عنه، لما فرغ من المصحف أتى به إليه، فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، ولو كان المملي من هذيل، والكاتب من قريش، لم يوجد فيه هذا.

قال الحافظ السخاوي: هذا الأثر ضعيف، والإسناد فيه اضطراب وانقطاع، لأن عثمان رضي الله عنه جعل للناس إماما يقتدرون به، فكيف يرى فيه لحنا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها؟ وقد كتب مصاحف سبعة وليس فيها اختلاف قط، إلا فيما هو من وجوه القراءات، وإذا لم يقمه هو ومن باشر الجمع، كيف يقيمه غيرهم؟

وتأول قوم اللحن في كلامه (على تقدير صحته عنه) بأن المراد الرمز والإيماء كما في قوله:

منطق رائع وتلحن أحيا

نا، وخير الكلام ما كان لحنا

أي: المراد به الرمز، بحذف بعض الحروف خطا، كألف (الصابرين) مما يعرفه القراء إذا رأوه، وكذا زيادة بعض الحروف، كذا في (عناية الراضي) ﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ رفعه بالعطف على ﴿ الراسخون ﴾ أو على الضمير في ﴿ يؤمنون ﴾ أو على أنه مبتدأ، والخبر ﴿ أولئك سنؤتيهم ﴾ والوجوه المذكورة تجري في ﴿ المقيمين ﴾ على قراءة الرفع ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ يعني: والمصدقون بوحدانية الله تعالى وبالبعث بعد الموت وبالثواب والعقاب، وإنما قدم الإيمان بالأنبياء والكتب وما يصدقه من اتباع الشرائع، لأنه المقصود في هذا المقام، لأنه لبيان حال أهل الكتاب وإرشادهم، وهم كانوا يؤمنون ببعض ذلك ويتركون بعضه، فبين لهم ما يلزمهم ويجب عليهم ﴿ أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ﴾ يعني: الجنة، لجمعهم بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح.

محاسن التأويل · الصفحة ٧٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٦٠