تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.101

وقوله تعالى: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ أي: سافرتم ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ أي: إثم ﴿ أن تقصروا ﴾ أي: تنقصوا شيئا ﴿ من الصلوة إن خفتم أن يفتنكم ﴾ أي: يقاتلكم ﴿ الذين كفروا ﴾ في الصلاة ﴿ إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ﴾ ظاهر العداوة، فلا يراعون حرمة الصلاة لعدواتهم.

تنبيه في مسائل تتعلق بالآية

الأولى: ذهب الجمهور إلى أن الآية عني بها تشريع صلاة السفر، وإن معنى قوله تعالى: ﴿ أن تقصروا من الصلوة ﴾ هو قصر الكمية، وذلك بأن تجعل الرباعية ثنائية، قالوا: وحكمها للمسافر في حال الأمن كحكمها في حال الخوف لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقا. روى الترمذي والنسائي وابن أبي شيبة عن ابن عباس. أن النبي صلى الله عليه وسلم: خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله رب العالمين، فصلى ركعتين. وروى البخاري وبقية الجماعة عن حارثة بن وهب قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان، بمنى ركعتين. وروى البخاري والبقية عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا.

وحينئذ فقوله تعالى: ﴿ إن خفتم ﴾ خرج مخرج الغالب، حال نزول الآية. إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة، بل ما كانوا ينهضون لا إلى غزو عام، أو سرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله، والمنطوق، إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له كقوله:

ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن تحصنا

[النور: 33] وكقوله تعالى:

وربائبكم التي في حجوركم من نسآئكم...

[النساء: 23] الآية.

قالوا: ويدل على أن المراد بالآية صلاة السفر ما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال سألت عمر بن الخطاب، قلت له: قوله تعالى: ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾... وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال:

" صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ".

وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي حنظلة الحذاء قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان، فقلت: أين قوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ - ونحن آمنون فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى ابن مردويه عن أبي الوداك قال: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر؟ فقال: هي رخصة نزلت من السماء، فإن شئتم فردوها.

قالوا: فهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات، وإن ذلك كان مفهوما عندهم عن معنى الآية، قالوا: ومما يدل على أن لفظ (القصر) كان مخصوصا في عرفهم بنقص عدد الركعات، ولهذا المعنى، لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين، قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟

هذا، وذهب كثير من السلف، منهم مجاهد والضحاك والسدي، إلى أن هذه الآية نزلت في صلاة الخوف، وأن المعني بالقصر هو قصر الكيفية لا الكمية، لأن عندهم كمية صلاة المسافر ركعتان، فهي تمام غير قصر، كما قاله عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، قالوا: ولهذا قال تعالى: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ وقال تعالى بعدها:

وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة...

[النساء: 102] الآية، فبين المقصود من القصر ههنا، وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لما عقد البخاري (كتاب صلاة الخوف) صدره بقوله تعالى: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة ﴾ إلى قوله:

إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا

[النساء: 102] وهكذا قال جويبر عن الضحاك في قوله: ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة ﴾ قال: ذاك عند القتال، يصلي الراجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه. وقال أسباط عن السدي، في هذه الآية: إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام التقصير، لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة، فالتقصير ركعة. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة ﴾ ، يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان، والمشركون بضجنان فتوافقوا، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات، بركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعا، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك أبن أبي حاتم. ورواه ابن جرير عن مجاهد والسدي، وعن جابر وابن عمر، واختار ذلك أيضا، فإنه قال، بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب، ثم روي عن أمية أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر: فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملا عملنا به، فقد سمى صلاة الخوف مقصورة، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع، لا بنص القرآن، وأصرح من هذا ما رواه أيضا عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.

محاسن التأويل · الصفحة ٦٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٦٦٩