4.57
﴿ والذين آمنوا ﴾ أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وجملة الكتب والرسل ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ أي: الطاعات فيما بينهم وبين ربهم بالإخلاص: ﴿ سندخلهم ﴾ أي: في الآخرة ﴿ جنات ﴾ أي: بساتين ﴿ تجري من تحتها ﴾ أي: من تحت شجرها وقصورها ﴿ الأنهار ﴾ أي: أنها الخمر واللبن والعسل والماء ﴿ خالدين فيهآ أبدا ﴾ أي: مقيمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها ﴿ لهم فيهآ ﴾ أي: الجنة ﴿ أزواج مطهرة ﴾ أي: من الحيض والنفاس والأذى والأخلاق الرذيلة والصفات الناقصة ﴿ وندخلهم ظلا ظليلا ﴾ أي: كنا كنينا لا تنسخه الشمس، ولا حر فيه ولا برد، و (ظليل) صفة مشتقة من لفظ (الظل) لتأكيد معناه، كما يقال: ليل أليل، ويوم أيوم. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع، مائة عام ما يقطعها "
وفيهما أيضا من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال:
" يسير الراكب في ظلها مائة سنة ما يقطعها ".
4.58
﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع.
قال أبو السعود: في تصدير الكلام بكلمة التحقيق وإظهار الاسم الجليل وإيراد الأمر على صورة الإخبار، من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال به والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه، وهو خطاب يعم حكمه المكلفين قاطبة، كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة بذممهم: من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية، وإن ورد في شأن عثمان بن طلحة. انتهى.
أي لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما تقرر في الأصول، وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها، الأبرار منهم والفجار، كما قال ابن المنذر. وفي حديث سمرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك "
، رواه الإمام أحمد وأهل السنن.
قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم. أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، فكان معه لواء المشركين يوم أحد وقتل يومئذ كافرا. وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيرا من المفسرين قد يشتبه عليه هذا بهذا. وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه. وقال محمد بن إسحاق (في غزوة الفتح): حدثني محمد ابن جعفر بن الزبير بن عبيد الله بن عبد الله أبي ثور عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء إلى البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف له الناس في المسجد.
قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة فقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين: إلا سدانة البيت وسقاية الحاج "
وذكر بقية الحديث في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ، إلى أن قال:
" ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده. فقال: يا رسول الله! اجمع لنا الحجابة مع السقاية، صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين عثمان بن طلحة؟ " فدعى له، فقال: " هاك مفتاحك يا عثمان! اليوم يوم بر ووفاء " ".