لطيفة
قال ناصر الدين في (الانتصاف): وقفت على نكتة في هذه الآية حسنة، وهي أن كل قرية ذكرت في الكتاب العزيز، فالظلم ينسب إليها بطريق المجاز، كقوله:
وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة
[النحل: 112] إلى قوله:
فكفرت بأنعم الله
[النحل: 112]، وقوله:
وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها
[القصص: 58]، وأما هذه القرية (في سورة النساء) فينسب الظلم إلى أهلها على الحقيقة، لأن المراد بها مكة، فوقرت عن نسبة الظلم إليها، تشريفا لها، شرفها الله تعالى، ثم شجع تعالى المؤمنين ورغبهم في الجهاد بقوله:
﴿ الذين آمنوا يقتلون في سبيل الله... ﴾.
4.76
﴿ الذين آمنوا يقتلون في سبيل الله ﴾ يعني في طاعته لإعلاء كلمته، فهو وليهم وناصرهم ﴿ والذين كفروا يقتلون في سبيل الطغوت ﴾ في طاعة الشيطان الآمر بغاية الطغيان، كإيذاء المستضعفين من المؤمنين وقتال أقويائهم ﴿ فقتلوا أولياء الشيطن ﴾ أي: جنده. قال أبو السعود: وذكرهم بهذا العنوان للدلالة على أن ذلك نتيجة لقتالهم في سبيل الشيطان، والإشعار بأن المؤمنين أولياء الله تعالى لما أن قتالهم في سبيله، وكل ذلك لتأكيد رغبة المؤمنين في القتال وتقوية عزائمهم عليه، فإن ولاية الله تعالى علم في العزة والقوة، كما أن ولاية الشيطان مثل في الذلة والضعف، كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك، فقاتلوا، يا أولياء الله! أولياء الشيطان، ثم صرح في التعليل فقيل: ﴿ إن كيد الشيطن كان ضعيفا ﴾ أي: في حد ذاته، فكيف بالقياس إلى قدرة الله تعالى، ولم يتعرض لبيان قوة جنابه تعالى، إيذانا بظهورها. قالوا: فائدة إدخال ﴿ كان ﴾ في أمثال هذه المواقع التأكيد ببيان أنه منذ كان، كان كذلك، فالمعنى: إن كيد الشيطان منذ كان، كان موصوفا بالضعف. انتهى. (والكيد): السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه، يقال: كاده يكيده، إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه، أفاده الرازي.