تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.164

﴿ ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ أي: في السور المكية ﴿ ورسلا لم نقصصهم عليك ﴾ أي: لم نسمهم لك في القرآن، وقد أحصى بعض المدققين أنبياء اليهود والنصارى ورسلهم فوجد عددهم لا يتجاوز الخمسين. روي في عدتهم أحاديث تكلم في أسانيدها، منها حديث أبي ذر:

" إن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر "

، صححه ابن حبان، وخالفه ابن الجوزي فذكره في (موضوعاته) واتهم به إبراهيم بن هاشم، وقد تكلم فيه غير واحد ﴿ وكلم الله موسى تكليما ﴾ يعني خاطبه مخاطبة من غير واسطة، لأن تأكيد ﴿ كلم ﴾ بالمصدر يدل على تحقيق الكلام، وأن موسى عليه السلام سمع كلام الله بلا شك، لأن أفعال المجاز لا تؤكد بالمصادر، فلا يقال: أراد الحائط يسقط إرادة، وهذا رد على من يقول: إن الله خلق كلاما في محل، فسمع موسى ذلك الكلام. قال الفراء: العرب تسمي كل ما يوصل إلى الإنسان كلاما، بأي طريق وصل، لكن لا تحققه بالمصدر. وإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام. فدل قوله تعالى: ﴿ تكليما ﴾ على أن موسى قد سمع كلام الله حقيقة من غير واسطة. قال بعضهم: كما أن الله تعالى خص موسى عليه السلام بالتكليم وشرفه به ولم يكن ذلك قادحا في نبوة غيره من الأنبياء، فكذلك إنزال التوراة عليه جملة واحدة لم يكن قادحا في نبوة من أنزل عليه كتابه منجما من الأنبياء، كذا في (اللباب).

تنبيه

يحسن في هذا المقام إيراد عقيدة السلف الكرام في مسألة الكلام، فإنها من أعظم مسائل الدين، وقد تحيرت فيها آراء أهل الأهواء من المتقدمين والمتأخرين، واضطربت فيها الأقوال، وكثرت بسببها الأهوال، وأثارت فتنا وجلبت محنا، وكم سجنت إماما، وبكت أقواما، وتشعبت فيها المذاهب، واختلفت فيها المشارب، ولم يثبت إلا قول أهل السنة والجماعة، المقتفين لأثر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، فنقول: قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية عليه رحمة الرحيم السلام، في كتابه إلى جماعة العارف عدي بن مسافر ما نصه:

فصل

ومن ذلك الاقتصاد في السنة واتباعها كما جاءت بلا زيادة ولا نقصان، مثل الكلام في القرآن وسائر الصفات، فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة: أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود، هكذا قال غير واحد من السلف. روي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وكان من التابعين الأعيان قال: ما زلت أسمع الناس يقولون ذلك، القرآن الذي أنزله الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم، وهو كلام الله لا كلام غيره، وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم، فإن الكلام لمن قاله مبتدئا، لا لمن قاله مبلغا مؤديا، قال الله تعالى:

وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله

[التوبة: 6] وهذا القرآن في المصاحف كما قال تعالى:

بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ

[البروج: 21-22]، وقال تعالى:

يتلوا صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة

[البينة: 2-3]، وقال:

إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون

[الواقعة: 77-78].

والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه. كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله، وإعراب الحروف هو من تمام الحروف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

" من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات "

وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه.

ثم قال رحمه الله: والتصديق بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله يتكلم بصوت وينادي آدم عليه السلام بصوت، إلى أمثال ذلك من الأحاديث، فهذه الجملة كان عليها سلف الأمة وأئمة السنة. وقال أئمة السنة: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، حيث تلى، وحيث كتب، فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن إنها مخلوقة، لأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل، ولا يقال غير مخلوقة، لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد، ولم يقل قط أحد من أئمة السلف: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة، بل أنكروا على من قال (لفط العبد بالقرآن مخلوق) وأما من قال: إن المداد قديم - فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة، قال الله تعالى:

محاسن التأويل · الصفحة ٧٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٦٢