تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنبيه

ما ذكرناه عن ابن جبير من حمل الآية على المعنيين، أي: أن حرف الجر المقدر مع (أن) هو (عن) و (في)، وأن كلا منهما مراد منها على سبيل البدل لصلاحيتها لهما بالاعتبارين المتقدمين. قال الخفاجي: مثله لا يعد لبسا بل إجمالا، كما ذكره بعض المحققين. انتهى.

قلت: وهذا بناء على أن اللبس هو أن يدل اللفظ على غير المراد، والإجمال ألا تتضح الدلالة، وبعبارة أخرى: إيراد الكلام على وجه يحتمل أمورا متعددة، وقد نظم بعضهم الفرق بينهما فقال:

والفرق بين اللبس والإجمال

مما به يهتم في الأقوال

فاللفظ، إن أفهم غير القصد

فاحكم على استعماله بالرد

لأنه اللبس، وأما المجمل

فربما يفهمه من يعقل

وذاك ألا تفهم المخالفا

ولا سواه بل تصير واقفا

وحكمه القبول في الموارد

فحفظه نظما أعظم الفوائد

﴿ والمستضعفين من الولدن ﴾ عطف على ﴿ يتمى النسآء ﴾ ، وما يتلى في حقهم: قوله تعالى:

يوصيكم الله...

[النساء: 11] إلخ، وقد كانوا في الجاهلية لا يورثونهم، كما لا يورثون الرجال القوام. قال ابن عباس، في الآية: كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله: ﴿ لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ فنهى الله عن ذلك، وبين لكل ذي سهم سهمه. فقال:

للذكر مثل حظ الأنثيين

[النساء: 11] صغيرا أو كبيرا، وكذا قال سعيد بن جبير. ﴿ وأن تقوموا لليتمى بالقسط ﴾ بالجر، عطف على ما قبله، وما يتلى في حقهم: قوله تعالى:

ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم

[النساء: 2] ونحو ذلك مما لا يكاد يحصر. قال سعيد بن جبير: المعنى: كما أنها إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال وجمال، فأنكحها واستأثر بها، والخطاب للولاة، أو للأولياء والأوصياء.

تنبيه

استنبط من آية أحكام: الأول: جواز نكاح الصغيرة، لأن اليتيم: الصغير الذي لم يبلغ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" لا يتم بعد احتلام "

، رواه أبو داود. وعن الأصم: أراد البوالغ قبل التزوج، وسماهن باليتم لقرب عهدهن باليتم، والأول أظهر، لأنه الحقيقة، قالوا: قد يطلق اليتيم على البالغة، وبدليل قوله صلى الله عليه وسلم:

" تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها "

، رواه أهل السنن، والاستئمار لا يكون إلا من البالغة، وقد ورد قول الشاعر:

إن القبور تنكح الأيامى

النسوة الأرامل اليتامى

فسمى البالغات يتامى، لانفرادهن عن الأزواج، وكل شيء منفرد لا نظير له يقال له يتيم، كقولهم: درة يتيمة، وهذه المسألة فيها أقوال للعلماء: الأول: جواز نكاح الصغيرة لجميع الأولياء، وهذا مذهب الهادوية ومالك وأبي حنيفة وصاحبيه. الثاني: للناصر والشافعي: لا يجوز ذلك إلا للأب والجد. والثالث: لا يجوز ذلك إلا للأب فقط، وهذا قول الأوزاعي، ومروي عن القاسم، دليل الأولين، ما اقتضاه قوله تعالى: ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ وهي نزلت في شأن اليتيمة بنكحها وليها ولا يقسط لها في المهر، فنهوا عن ذلك وأمروا أن يقسطوا في المهر بقوله في سورة النساء:

وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النسآء

[النساء: 3] واليتم الحقيقي مع الصغر، وغيره مجاز، وأدنى الأولياء الذي يجوز له النكاح، ابن العم، فإذا صح فيه صح، وحجة القول الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: " تستأمر اليتيمة " ، الحديث المتقدم، والإذن لا يكون إلا بعد البلوغ. وروى الإمام أحمد والدارقطني: أن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه، وكان وصيها، ممن أبته، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:

" هي يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها "

، كذا ذكره بعض مفسري الزيدية.

وتخريج الأحاديث من زيادتي، وما نقله من أن الإذن لا يكون إلا بعد البلوغ يحتاج إلى دليل، إذ لا يدل عليه الخبر بمنطوقه ولا مفهومه.

محاسن التأويل · الصفحة ٧٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٠٣