﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان... ﴾.
4.98
﴿ إلا المستضعفين من الرجال ﴾ لعمى أو عرج أو مرض أو هرم أو فقر ﴿ والنسآء والولدان ﴾ أي: الصبيان فإنهم معذورون في ترك الهجرة لأنهم ﴿ لا يستطيعون حيلة ﴾ في الخروج، إذ لا قوة لهم على الخروج ولا نفقة ﴿ ولا يهتدون سبيلا ﴾ أي: لا يعرفون طريقا إلى دار الهجرة.
4.99
﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ أي: يتجاوز عنهم بترك الهجرة.
قال الرازي: ههنا سؤال: وهو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة، والعاجز عن الشيء غير مكلف به، وإذا لم يكن مكلفا به لم يكن عليه في تركه عقوبة - فلم قال: عسى الله أن يعفو عنهم؟ والعفو لا يتصور إلا مع الذنب، وأيضا (عسى) كلمة الإطماع، وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم، والجواب عن الأول: أن المستضعف قد يكون قادرا على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة، وتمييز الضعيف الذي يحصل عنده الرخصة، عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة، شاق ومشتبه، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك، ولا سيما في الهجرة عن الوطن، فإنها شاقة على النفس، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزا، مع أنه لا يكون كذلك، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام، والجواب عن الثاني: بأن الفائدة في ﴿ عسى ﴾ الدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه، حتى إن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني، فكيف الحال في غيره؟ هذا ما ذكره صاحب (الكشاف).
والأولى في الجواب ما قدمناه: وهو أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن، ربما ظن نفسه عاجزا عنها، مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة، فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة ﴿ عسى ﴾ لا بالكلمة الدالة على القطع. انتهى. وقال أبو السعود: جيء بكلمة (الإطماع) ولفظ (العفو) إيذانا بأن الهجرة من تأكيد الوجوب بحيث ينبغي أن يعد تركها، ممن تحقق عدم وجوبها عليه، ذنبا يجب طلب العفو عنه، رجاء وطمعا، لا جزما وقطعا. وقال المهايمي: فيه إشعار بأن ترك الهجرة أمر خطير، حتى إن المضطر حقه أن يترصد الفرصة ويعلق قلبه بها وإن الصبي إذا قدر فلا محيص له عنه، وإن قوامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم، ثم أكد الإطماع لئلا ييأسوا فقال: ﴿ وكان الله عفوا غفورا ﴾ وفي إقحام ﴿ كان ﴾ إشارة إلى اتصافه تعالى بهذه الصفة قبل خلق الخلق، أو أن هذه عادته تعالى، أجراها في حق خلقه، ووعده بالعفو والمغفرة مطلقا مما يدل على أنه تعالى قد يعفوا عن الذنب قبل التوبة.
تنبيه
قال السيوطي في (الإكليل): استدل بالآية على وجوب الهجرة من دار الكفر، إلا على من لم يطقها، وعن مالك: الآية تقتضي أن كل من كان في بلد تغير فيه السنن، فينبغي أن يخرج منه. انتهى.
وقال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية وجوب الهجرة من دار الكفر، ولا خلاف أنها كانت واجبة قبل الفتح، ولذلك قال الله تعالى في سورة الأنفال:
والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء
[الآية: 72]، قيل: ونسخت بعد الفتح، والصحيح عدم النسخ، وقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا هجرة بعد الفتح "
، معناه من مكة.
قال جار الله: وهذا يدل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، وعلم أنه في غير بلده أقوم بحق الله، حقت عليه الهجرة، ثم قال رحمه الله: قال في التهذيب: وعن القاسم بن إبراهيم: إذا ظهر الفسق في دار، ولا يمكنه الأمر بالمعروف، فالهجرة واجبة، وهذا بناء على أن الدور ثلاث: دار إسلام، ودار فسق، ودار حرب، وهذا التقسيم هو مذهب الهادي والقاسم وابن أبي النجم في كتاب (الهجرة والدور) عن الراضي بالله وجعفر بن مبشر وأبي علي. وذهب الإخوان وعامة الفقهاء وأكثر المعتزلة إلى النفي لدار الفسق، واعلم أن من حمل على معصية أو ترك واجب أو طالبه الإمام بذلك، فالمذهب وجوب الهجرة مع حصول الشروط المعتبرة، وقد قال الراضي بالله: إن من سكن دار الحرب مستحلا، كفر، لأن ذلك رد لصريح القرآن، واحتج بهذه. وقد حكى الفقيه حسام الدين حميد بن أحمد عن القاسم والهادي والراضي بالله: التكفير لمن ساكن الكفار في ديارهم. وفي (مذهب الراضي بالله): يكفر إذا جاورهم سنة. قال الفقيه شرف الدين محمد بن يحيى، حاكيا عن الراضي بالله: إنه يكفر بسكنى دار الحرب وإن لم يستحل؛ لأن ذلك منه إظهار الكفر على نفسه، الحكم بالتكفير محتمل هنا، ثم قال: وإنما استثنى تعالى الولدان، وإن كانوا غير داخلين في التكليف، بيانا لعدم حيلتهم، والهجرة إنما تجب على من له حيلة. انتهى.