تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.55

﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه ﴾ حكاية لما صدر عن أسلافهم، أي: فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن بما أوتي آل إبراهيم، ومنهم من كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم، أي: من بني إسرائيل، وقد اختلفوا عليه، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ فالكفرة منهم أشد تكذيبا لك وأبعد عما جئتهم به من الهدى والحق المبين، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ذلك ديدنهم المستمر.

﴿ وكفى بجهنم سعيرا ﴾ أي: نارا مسعرة يعذبون بها على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.

ثم أخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله فقال:

﴿ إن الذين كفروا بآيتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم... ﴾.

4.56

﴿ إن الذين كفروا بآيتنا سوف نصليهم نارا ﴾ أي: عظيمة هائلة ﴿ كلما نضجت جلودهم ﴾ أي: احترقت احتراقا تاما ﴿ بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ أي: ليدوم لهم، وذلك أبلغ في العذاب للشخص، لأن إحساسه لعمل النار في الجلد الذي لم يحترق، أبلغ من إحساسه لعملها في المحترق.

تنبيه

لهم في التبديل وجهان: الأول: أنه تبديل حقيقي مادي، فيخلق مكانها جلود أخر جديدة مغايرة للمحترقة. الثاني: أنه تبديل وصفي: أي: أعدنا الجلود جديدة مغايرة للمحترقة صورة، وإن كانت عينها مادة، بأن يزال عنها الاحتراق ليعود إحساسها للعذاب، فلم تبدل إلا صفتها، لا مادتها الأصلية، وفيه بعد، إذ يأباه معنى التبديل.

وقال الرازي: يمكن أن يقال: هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع، كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام: كلما انتهى فقد ابتدأ، وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله، فكذا قوله: ﴿ كلما نضجت جلودهم ﴾ الآية، يعني: كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك، أعطيناهم قوة جديدة من الحياة، بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه. انتهى.

وهذا أبعد مما قبله، إذ ليس لنا أن نعدل في كلام الله تعالى عن الحقيقة إلى المجاز، إلا عند الضرورة، لا سيما وقد روي عن السلف، صحابة وتابعين، أنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة، كما رواه ابن جرير وغيره مفصلا.

﴿ إن الله كان عزيزا ﴾ لا يمتنع عليه ما يريد ﴿ حكيما ﴾ فيما يقضيه، ومنه هذا التبديل، إذا لا يتم تخليد العذاب الموعود، على الكفر الذي لا ينزجرون عنه، بالعذاب المنقطع، وعدا لا بد من إيفائه، ثم بين مآل أهل السعادة فقال:

﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٥٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٥٩٩