4.152
﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ﴾ كلهم ﴿ ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴾ يعني بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم يؤمنون بكل نبي بعثه الله، ولا يفرقون بين أحد منهم، بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين، كما فعله الكفرة ﴿ أولئك سوف يؤتيهم ﴾ أي: يعطيهم: ﴿ أجورهم ﴾ ثواب إيمانهم بالله ورسله في الآخرة ﴿ وكان الله غفورا ﴾ أي: لما فرط منهم: ﴿ رحيما ﴾ مبالغا في الرحمة عليهم، بتضعيف حسناتهم.
ثم بين تعالى ما جبل عليه اليهود من اللجاج والعناد، والبعد عن طريق الحق، بقوله:
﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك... ﴾.
4.153
﴿ يسألك أهل الكتاب ﴾ قال ابن عباس: كعب وأصحابه ﴿ أن تنزل عليهم كتابا من السمآء ﴾ أي: كما أنزلت التوراة على موسى جملة في الألواح، مع أنه لا حاجة لهم إلى طلب ذلك بعد ما وضحت البراهين على نبوتك، لا سيما بإعجاز ما نزل عليك من الفرقان، إلا أن الذي حملهم على سؤالهم هو التعنت والكفر، كما قال قبلهم كفار قريش نظير ذلك:
وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا...
[الإسراء: 90] الآيات. ولهذا قال تعالى: ﴿ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ﴾ أي: مما سألوك ﴿ فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ أي: رؤية ظاهرة ﴿ فأخذتهم الصاعقة ﴾ أي: النار النازلة من السماء ﴿ بظلمهم ﴾ أي: جراءتهم على الله وعتوهم وعنادهم، إذ لا يرون آية إلا يطلبون أكبر منها، حتى يروا آية ملجئة إلى الإيمان، بحيث لا يفيد الإيمان معها، فلا يكادون يؤمنون إيمانا يفيدهم أصلا، ولا يبعد منهم الكفر، بعد رؤية الآيات، فإنهم رأوا آيات موسى ﴿ ثم اتخذوا العجل ﴾ أي: إلها وعبدوه: ﴿ من بعد ما جآءتهم البينات ﴾ أي: الدلائل القاطعة على نفي الشرك، ثم تابوا عنه ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ أي: تركناهم ولم نستأصلهم ﴿ وآتينا موسى سلطانا مبينا ﴾ أي: حجة بينة وتسلطا ظاهرا على إهلاك من خالفه، وفي ذلك بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بنصره، وإن بالغوا في العناد والإلحاد.
ثم أشار إلى أنهم مع رؤيتهم الآيات، لم ينقادوا لأوامر موسى، كما قال تعالى:
﴿ ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب... ﴾.