فقال:
" قم، يا فلان، فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر "
وهذا لفظ البخاري.
وروى أبو داود عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال:
" أخبر النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه فقال: " لا أصلي عليه " ".
وفي الصحيحين من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله عز وجل: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة ".
ولهذا قال تعالى:
﴿ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف... ﴾.
4.30
﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي: القتل ﴿ عدوانا وظلما ﴾ أي: متعديا فيه، ظالما في تعاطيه، أي: عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه ﴿ فسوف نصليه ﴾ أي: ندخله ﴿ نارا ﴾ أي: هائلة شديدة العذاب ﴿ وكان ذلك ﴾ أي: إصلاؤه النار ﴿ على الله يسيرا ﴾ هينا عليه، لا عسر فيه ولا صارف عنه، لأنه تعالى لا يعجزه شيء.
قال النسفي: وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد، وفي حق غيره، لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته. انتهى.
4.31
﴿ إن تجتنبوا ﴾ أي: تتركوا ﴿ كبآئر ما تنهون عنه ﴾ أي: كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها، مما ذكر ههنا ومما لم يذكر ﴿ نكفر عنكم سيئتكم ﴾ أي: صغائر ذنوبكم، ونمحها عنكم، وندخلكم الجنة، كما قال تعالى: ﴿ وندخلكم ﴾ في الآخرة ﴿ مدخلا كريما ﴾ أي: حسنا وهي الجنة. و (مدخلا) قرئ بضم الميم، اسم مكان أو مصدر ميمي، أي: إدخالا مع كرامة، وبفتح الميم، وهو أيضا يحتمل المكان والمصدر، وفي الآية دليل على أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر، ورد على من قال: إن المعاصي كلها كبائر، وإنه لا صغيرة.
قال الإمام ابن القيم في (الجواب الكافي): قد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة، والتابعين بعدهم، والأئمة، على أن من الذنوب كبائر وصغائر، قال الله تعالى: ﴿ إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئتكم ﴾ ، وقال تعالى:
الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم
[النجم: 32]. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ".
وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات: إحداها: أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها والقيام بحقوقها، بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية. الثانية: أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر. الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر، فتأمل هذا فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة.
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قالوا: بلى يا رسول الله! قال: " الإشراك بالله وعقوق الوالدين ". وجلس وكان متكئا فقال: " ألا وقول الزور (ثلاثا) " ".
وروي في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم:
" " اجتنبوا السبع الموبقات " قالوا: وما هن؟ يا رسول الله! قال: " الإشراك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " ".
وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه قال:
" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت: ثم أي؟ قال: " أن تزاني بحليلة جارك "
قال: ونزلت هذه الآية تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم:
والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون
[الفرقان: 68]، الآية. ثم ساق الخلاف في تعدادها.
اه.
وعندي أن الصواب هو الوقوف في تعدادها على ما صحت به الأحاديث، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبين لكتاب الله عز وجل، أمين على تأويله، والمرجع في بيان كتاب الله تعالى إلى السنة الصحيحة، كما أن المرجع في تعريف الكبيرة إلى العد دون ضبطها بحد، كما تكلفه جماعة من الفقهاء، وطالت المناقشة بينهم في تلك الحدود، وإن منها ما ليس جامعا، ومنها ما ليس مانعا، فكله مما لا حاجة إليه بعد ورود صحاح الأخبار في بيان ذلك.