4.24
﴿ والمحصنت ﴾ أي: وحرمت عليكم المزوجات ﴿ من النسآء ﴾ حرائر وإماء، مسلمات، أو لا، لئلا تختلط المياه فيضيع النسب ﴿ إلا ما ملكت أيمنكم ﴾ أي: من اللائي سبين ولهن أزواج في دار الكفر، فهن حلال لغزاة المسلمين، وإن كن محصنات، لأن السبي لهن يرفع نكاحهن ويفيد الحل بعد الاستبراء. روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: ﴿ والمحصنت من النسآء إلا ما ملكت أيمنكم ﴾ فاستحللنا فروجهن.
تنبيه
استدل بعموم الآية من قال: إن انتقال الملك ببيع أو إرث أو غير ذلك يقطع النكاح. عن ابن مسعود قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها، وعنه: بيع الأمة طلاقها. وروي ذلك أيضا عن أبي بن كعب وجابر وابن عباس رضي الله عنهم قالوا: بيعها طلاقها. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: طلاق الأمة ست: بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها.
كذا قرأته في تفسير ابن كثير، ولا يخفى أن المعدود خمسة، ولعل السادس بيع زوجها.
حيث قال بعد ذلك: وروى عوف عن الحسن بيع الأمة طلاقها وبيعه طلاقها، فهذا قول هؤلاء من السلف. وحجتهم عموم الاستثناء في قوله تعالى: ﴿ إلا ما ملكت أيمنكم ﴾ والجمهور على أن بيع الأمة ليس طلاقا لها، واحتجوا بحديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، وقصتها مشهورة، فلو كان بيع الأمة طلاقها لما خيرت، وتخييرها دال على أن المراد من الآية المسبيات فقط، وبالجملة، فالجمهور قصروا الآية على السبب الذي نزلت فيه.
قال الرازي: وهو يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، أي وهو مقبول ومعمول به في غير ما موضع، كنصاب السرقة، وفي التنبيه الآتي زيادة لهذا فتأثره.
فائدة
اتفق القراء على فتح الصاد في: ﴿ والمحصنت ﴾ هنا، ويقرأ بالفتح والكسر في غير هذا الموضع، وكلاهما مشهور، فالفتح على أنهن أحصن بالأزواج أو بالإسلام، والكسر على أنهن أحصن فروجهن أو أزواجهن، واشتقاق الكلمة من الإحصان وهو المنع. ﴿ كتب الله ﴾ مصدر مؤكد أي كتب الله ﴿ عليكم ﴾ تحريم هؤلاء كتابا وفرضه قرضا، فالزموا كتابه ولا تخرجوا عن حدوده وشرعه ﴿ وأحل لكم ﴾ عطف على
حرمت عليكم
[النساء: 23] ﴿ ما وراء ذلكم ﴾ إشارة إلى ما ذكر من المحرمات المعدودة، أي: أحل لكم نكاح ما سواهن ﴿ أن تبتغوا ﴾ مفعول له، أي أحل لكم إرادة أن تبتغوا، أو بدل من (ما) أي ابتغاء النساء ﴿ بأمولكم ﴾ أي: يصرفها إلى مهورهن ﴿ محصنين ﴾ حال من فاعل ﴿ تبتغوا ﴾ ، والإحصان: العفة، وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم ﴿ غير مسفحين ﴾ غير زانين، والسفاح: الزنا والفجور، من السفح وهو الصب، لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة، وكان أهل الجاهلية، إذا خطب الرجل المرأة، قال: انكحيني، فإذا أراد الزنا قال: سافحيني.
قال الزجاج: المسافحة أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح.
تنبيه
قوله تعالى: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ عام مخصوص بمحرمات أخر دلت عليها دلائل أخر، فمن ذلك، ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها. وقد حكى الترمذي المنع من ذلك عن كافة أهل العلم، وقال: لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك. ومن ذلك، نكاح المعتدة، ومن ذلك، أن من كان في نكاحه حرة، لا يجوز له نكاح الأمة. ومن ذلك، القادر على الحرة لا يجوز له نكاح الأمة. ومن ذلك، من عنده أربع زوجات لا يجوز له نكاح خامسة. ومن ذلك، الملاعنة فإنها محرمة على الملاعن أبدا، فالآية مما نزل عاما ودلت السنة ومواضع من التنزيل على أنها مخصصة بغيرها.