لطيفة
في الآية وجوه من الإعراب: أحسنها ما اعتمده أبو السعود، من أن جملة: ﴿ أولئك سنؤتيهم ﴾ إلخ خبر للمبتدأ الذي هو ﴿ الراسخون ﴾ وما عطف عليه، وأن جملة ﴿ يؤمنون بمآ أنزل ﴾ إلخ حال من ﴿ المؤمنون ﴾ مبينة لكيفية إيمانهم، أو اعتراض مؤكد لما قبله. قال: وهذا أنسب بتجاوب طرفي الاستدراك حيث أوعد الأولون بالعذاب الأليم ووعد الآخرون بالأجر العظيم، كأنه قيل إثر قوله تعالى:
وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما
[النساء: 161] لكن المؤمنون منهم سنؤتيهم أجرا عظيما، وأما ما جنح إليه الجمهور من جعل قوله تعالى: ﴿ يؤمنون بمآ أنزل ﴾ إلخ خبرا للمبتدأ، ففي كمال السداد، خلا أنه غير متعرض لتقابل الطرفين.
4.163
﴿ إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده ﴾ اعلم أنه تعالى لما حكى أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وذكر تعالى بعده أنهم لا يسألون استرشادا، ولكن للتعنت واللجاج، وبين أنواعا من فضائحهم - أشار إلى رد شبهتهم، فاحتج عليهم بأنه ليس بدعا من الرسل، وأمره في الوحي كسائر الأنبياء الذين يوافقون على نبوتهم، ولم ينزل على كل واحد منهم كتابا بتمامه مثل ما أنزل على موسى، وإذا لم يكن هذا من شرط النبوة، وضح أن سؤالهم محض تعنت.
تنبيه
قيل: بدأ بنوح لأنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام، والحلال والحرام، وفي (العناية) بدأ به تهديدا لهم، لأنه أول نبي عوقب قومه، لا أنه أول مشرع، كما توهم، وظاهر الآية يدل على أن من قبل نوح لم يكن يوحى له كما أوحي لنبينا صلى الله عليه وسلم، لا أنه غير موحى إليه أصلا، كما قيل. انتهى. ﴿ وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ﴾ وهم أولاد يعقوب عليهم السلام ﴿ وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا ﴾.