تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن كثير: والجمهور على الأول. أعني أنهما منصوبان من جهة الحاكم. لقوله تعالى: ﴿ فابعثوا حكما ﴾ إلخ. فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه. وهذا ظاهر الآية.

وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى الثاني؛ لقول علي رضي الله عنه للزوج، (حين قال: أما الفرقة فلا) - فقال: كذبت، حتى تقر بما أقرت به.

قالوا: فلو كانا حكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج. والله أعلم.

وفي الآية تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتوخاه، وفقه الله تعالى لمبتغاه.

تنبيه

قال الحاكم: في الآية دلالة على أن كل من خاف فرقة وفتنة جاز له بعث الحكمين، وقد استدل بها أمير المؤمنين على الخوارج فيما فعل من التحكيم، قال مشايخ المعتزلة: لأن المصاحف لما رفعت، فظهرت الفرقة في عسكره، وخاف على نفسه، جازت المحاكمة، بل وجبت، ولهذا صالح صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وعلى هذا يحمل صلح الحسن عليه السلام.

4.36

﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ﴾ يأمر تعالى بعبادته وحده وبالإخلاص فيها بقوله: ﴿ ولا تشركوا به شيئا ﴾ كما قال تعالى:

ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين

[البينة: 5]، لأنه تعالى هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الأوقات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا من الشرك، الجلي والخفي، للنفس وشهواتها، وما يتوصل بها إليها من المال والجاه، وهذه العبادة حق الله علينا. كما في الصحيحين عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:

" " يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا " ".

ثم أوصى سبحانه بالإحسان إلى الوالدين، إثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي آكد الحقوق وأعظمها، تنبيها على جلالة شأن الوالدين بنظمها في سلكها بقوله: ﴿ وبالولدين إحسانا ﴾ وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله:

أن اشكر لي ولوالديك

[لقمان: 14]،

وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا

[الإسراء: 23]، أي: أحسنوا بهما إحسانا يفي بحق تربيتهما، فإن شكرهما يدعو إلى شكر الله المقرب إليه مع ما فيه من صلة أقرب الأقارب الموجب لوصلة الله، وقطعها لقطعه، ثم عطف على الإحسان إليهما، الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، بقوله: ﴿ وبذي القربى ﴾ أي: الأقارب، وقد جاء في الحديث الصحيح عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صلة وصدقة "

، رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وابن ماجة. ثم قال تعالى: ﴿ واليتمى ﴾ وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم، تنزلا لرحمته عز وجل ﴿ والمسكين ﴾ وهم المحاويج الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم، وتزول به ضرورتهم ﴿ والجار ذي القربى ﴾ أي: الذي قرب جواره، أو الذي له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين ﴿ والجار الجنب ﴾ أي: الذي جواره بعيد، أو الأجنبي، وقال نوف البكالي: الجار ذي القربى، يعني الجار المسلم، والجار الجنب يعني اليهودي والنصراني.

وقد ورد في الوصية بالجار أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم:

" ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه "

، أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر.

ومنها ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ".

محاسن التأويل · الصفحة ٥٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٥٥٦