تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

، وذكر البخاري أيضا عن ابن عمر قال: من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله. وفي الصحيحين عن أبي هريرة يرفعه:

" سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر "

وفيهما أيضا عنه صلى الله عليه وسلم:

" لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ".

وفي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم:

" من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما ".

هذه عقوبة قاتل عدو الله، إذا كان معاهدا في عهده وأمانه، فكيف بعقوبة قاتل عبده المؤمن؟

وإذا كانت امرأة قد دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا، فرآها النبي صلى الله عليه وسلم في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها، فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم؟ وفي بعض السنن عن صلى الله عليه وسلم:

" لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ".

وقال ابن القيم أيضا قبل ذلك: وقد جعل الله سبحانه وتعالى جزاء قتل النفس المؤمنة عمدا، الخلود في النار وغضب الجبار ولعنته وإعداد العذاب العظيم له، هذا موجب قتل المؤمن عمدا ما لم يمنع منه مانع، ولا خلاف أن الإسلام الواقع بعد القتل، طوعا واختيارا، مانع من نفوذ ذلك الجزاء، وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه؟ فيه قولان للسلف والخلف، وهما روايتان عن أحمد، والذين قالوا: لا تمنع التوبة من نفوذه رأوا أنه حق لآدمي لم يستوفه في دار الدنيا، وخرج منه بظلامته فلا بد أن يستوفي له في دار العدل، قالوا: فما استوفاه الوارث فإنما استوفى محض حقه الذي خيره الله، من استيفائه والعفو عنه، وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه؟ وأي استدراك لظلامته حصل له باستيفاء وارثه؟ وهذا أصح القولين في المسألة، إن حق المقتول لا يسقط باستيفاء وارثه؟ وهذا أصح القولين في المسألة، إن حق المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث، وهي وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، ورأت طائفة أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث، فإن التوبة تهدم ما قبلها، والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حده، قالوا: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر، وهما أعظم إثما من القتل، فكيف تقصر عن محو أثر القتل؟ وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءهم، وجعلهم من خيار عباده، ودعا الذين أحرقوا أولياءه وفتنوهم عن دينهم ودعاهم إلى التوبة.

وقال تعالى:

يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا

[الزمر: 53] وهذا في حق القاتل، وهي تتناول الكفر فيما دونه، قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب ويعاقب عليه بعد التوبة؟ هذا معلوم انتفاؤه في شرع الله وجزائه، قالوا: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه، ولا يمكن تسليمها إلى المقتول، فأقام الشارع وليه مقامه، وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول، بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه، فإنه يقوم مقام تسليمه للموروث، والتحقيق في المسألة: أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق الله، وحق للمظلوم المقتول، وحق للولي، فإذا سلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي، ندما على ما فعل، وخوفا من الله، وتوبة نصوحا - فقطع حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا.

فصل

ومن العلماء من اختار التوقف في هذا المقام: منهم الإمام أبو عبد الله محمد بن المرتضى اليماني، فإنه قال في كتابه (إيثار الحق) في (بحث الوعد والوعيد)، ما نصه: لا شك أن الاستثناء من الوعد والوعيد، وتخصيص العمومات بالأدلة المتصلة والمنفصلة مقبول، إما على جهة الجمع، ولا شك في جوازه وصحته وحسنه، والإجماع على ذلك وكثرة وقوعه من سلف الأمة وخلفها، بل لا شك في تقديمه في الرتبة والبداية بذلك قبل الترجيح، فإن تعذر الجمع فالترجيح، فإن وضح عمل به، فإن لم يتضح وجب الوقف لقوله تعالى:

محاسن التأويل · الصفحة ٦٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٦٥٦