تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" يجيء المقتول متعلقا بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دما يقول: يا رب! قتلني هذا حتى يدنيه من العرش "

وفي رواية للنسائي فيقول:

" أي رب! سل هذا فيم قتلني؟ "

لأن غاية ذلك وقوع المنازعة بين يدي الله عز وجل، وذلك لا يسلتزم أخذ التائب بذلك الذنب، ولا تخليده في النار، على فرض عدم التوبة، والتوبة النافعة، ههنا، هي الاعتراف بالقتل عند الوارث، إن كان له وارث، أو السلطان، إن لم يكن له وارث، والندم على ذلك الفعل، والعزم على ترك العود إلى مثله، لا مجرد الندم والعزم، بدون اعتراف، وتسليم للنفس أو الدية إن اختارها مستحقها، لأن حق الآدمي لا بد فيه من أمر زائد على حقوق الله، وهو تسليمه أو تسليم عوضه بعد الاعتراف به، فإن قلت: فعلام تحمل حديث أبي هريرة وحديث معاوية المذكورين في أول الباب؟ فإن الأول يقضي بأن القاتل أو المعين على القتل يلقى الله مكتوبا بين عينيه: الآياس من الرحمة، والثاني يقضي بأن ذنب القتل لا يغفره الله - قلت هما محمولان على عدم صدور التوبة من القاتل، والدليل على هذا التأويل، ما في الباب من الأدلة القاضية بالقبول عموما وخصوصا، ولو لم يكن من ذلك إلا حديث الرجل القاتل للمائة، الذي تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وحديث عبادة بن الصامت المذكور قبله، فإنهما يلجآن إلى المصير إلى ذلك التأويل، ولا سيما مع ما قدمنا من تأخر حديث عبادة، ومع كون الحديثين في الصحيحين، بخلاف حديث أبي هريرة ومعاوية وأيضا في حديث معاوية نفسه ما يرشد إلى هذا التأويل، فإنه جعل الرجل القاتل عمدا مقترنا بالرجل الذي يموت كافرا، ولا شك أن الذي يموت كافرا مصرا على ذنبه غير تائب منه، من المخلدين في النار، فيستفاد من هذا التقييد أن التوبة تمحو ذنب الكفر، فيكون ذلك القرين الذي هو القتل أولى بقبولها.

وقد قال العلامة الزمخشري في (الكشاف): إن هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ، قال: ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي، من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة، وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد: وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلا.

ثم ذكر حديث:

" لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم "

، وهو عند النسائي من حديث بريدة، وعند ابن ماجه من حديث البراء. وعند النسائي أيضا من حديث ابن عمرو، وأخرجه أيضا الترمذي. انتهى كلام الشوكاني.

وقال الإمام ابن القيم في (الجواب الكافي): لما كان الظلم والعدوان منافيين للعدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأرسل الله سبحانه رسله عليهم الصلاة والسلام وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط - كان (أي الظلم) من أكبر الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظمة بحسب مفسدته في نفسه: وكان قتل الإنسان المؤمن من أقبح الظلم وأشده، ثم قال: ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة - قال الله تعالى:

من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا

[المائدة: 32].

ثم قال: وفي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال: " أول ما ينتن من الإنسان بطنه فمن استطاع منكم أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل، ومن استطاع ألا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم أهرقه فليفعل ". وفي جامع الترمذي عن نافع، قال: نظر عبد الله بن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة منك، قال الترمذي هذا حديث حسن. وفي صحيح البخاري أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما "

محاسن التأويل · الصفحة ٦٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٦٥٥