ولا تقف ما ليس لك به علم
[الإسراء: 36]. ولذلك اخترت الوقف في حكم قاتل المؤمن، بعد الانتصاف منه للمظلوم والقطع على أنه فاسق ملعون، واجب قتله والبراءة منه، والقطع أن جزاءه جهنم خالدا فيها، كما قال تعالى على ما أراد، وإنما وقفت في محل التعارض الذي أوضحته في (العواصم). لا على حسب ما قيل في أن الله تعالى في هذه الآية، هل بين جزاءه الذي له أن يفعله إن شاء؟ أو بين جزاءه الذي تخير له في تنجيزه حين لم يبق إلا حقه بعد استيفاء حق المظلوم المقتول؟ والله سبحانه أعلم.
فمن رجح الجمع بين وعيد القاتل وبين قوله تعالى:
ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء
[النساء: 48]، وسائر آيات الرجاء وأحاديثه - قال بالأول، ومن رجح وعيد القاتل في هذه الآية، وفي الأحاديث المخصصة لقتل المؤمن، بقطع الرجاء، كما أوضحته في (العواصم) - رجح وعيد القاتل، ومن تعارضت عليه ولم ير في تنجيز الاعتقاد مصلحة ولا له موجبا ولا إليه ضرورة - رجح الوقف، والله عند لسان كل قائل ونيته، ولا شك في ترجيح النص الخاص على العموم وتقديمه، وعليه عمل علماء الإسلام في أدلة الشريعة، ومن لم يقدمه في بعض المواضع لم يمكنه الوفاء بذلك في كل موضع، واضطر إلى التحكم والتلون من غير حجة بينة وقد أجمع من يعتد به من المسلمين على تخصيص الصغائر من آيات الوعيد العامة على جميع المعاصي، متى كان أهل الصغائر من المسلمين، ولم يلزم من ذلك خلف في آيات الوعيد ولا كذب ولا تكذيب لشيء منها، فكذلك سائر ما صح من أحاديث الرجاء ليس فيه مناقضة لعمومات آيات الوعيد، ولا يستلزم تجويز الخلف على الله تعالى، وذلك باب واحد ولذلك اشتهرت أحاديث الرجاء في عصر الصحابة والتابعين، ولم ينكرها أحد، بل رواتها أكابرهم وأئمتهم، وفي (العواصم) من ذلك عن علي عليه السلام بضعة عشر أثرا، بل المخصصات للعمومات في ذلك قرآنية، وعمومات الوعد مانعة قبل تخصيص الوعيد من الجزم على وقوع عمومه دون عموم الوعد، وعلى أن الخلف عند جماعات كثيرة لا يكون إلا في عدم الوفاء بالوعد بالخير، وأما الوعيد بالشر فقد اختلف في تركه، وأجمعوا على أنه يسمى عفوا، كما قال كعب بن زهير.
أنبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول
وإنما اختلفوا، مع تسميته عفوا، هل يسمى خلفا أم لا؟ ومن منع من ذلك، منع صحة النقل له لغة، واحتج على امتناعه بأنه لا يصح اجتماع اسم مدح واسم ذم على مسمى واحد. انتهى.
فصل
تشرع الكفارة في قتل العمد، لما رواه الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع قال:
" أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم، فقالوا: إن صاحبا لنا قد أوجب. قال: فليعتق رقبة، يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه من النار "
ورواه أيضا بسند آخر عنه، قال:
" أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب، قال: " أعتقوا عنه، يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار "
وهذا رواه أبو داود والنسائي، ولفظ أبي داود:
" قد أوجب (يعني النار) بالقتل ".
قال الشوكاني في (نيل الأوطار): في حديث واثلة دليل على ثبوت الكفارة في قتل العمد، وهذا إذا عفي عن القاتل أو رضي الوارث بالدية، وأما إذا اقتص منه فلا كفارة عليه بل القتل كفارته، لحديث عبادة المذكور في الباب، ولما أخرجه أبو نعيم في (المعرفة): أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " القتل كفارة " ، وهو من حديث خزيمة بن ثابت، وفي إسناده ابن لهيعة قال الحافظ: لكنه من حديث ابن وهب عنه فيكون حسنا، ورواه الطبراني في الكبير عن الحسن بن علي موقوفا عليه.
ثم حذر عما يؤدي إلى القتل العمد من قلة المبالاة في الأمور بقوله:
﴿ يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا... ﴾.