تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال ابن كثير: وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، ولكن لا بد من ردها إليهم، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه والمغصوب منه والمغبون والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولكن لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بد من المطالبة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة، إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول، أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها ورفع درجته فيها ونحو ذلك، والله أعلم. انتهى. وقال النووي في (شرح مسلم) في شرح حديث الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس: استدل به على قبول توبة القاتل عمدا، وهو مذهب أهل العلم وإجماعهم، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وأما ما نقل عن بعض السلف من خلال هذا، فمراد قائله الزجر والتوبة، لا أنه يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث وإن كان شرع من قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف، فليس هذا موضع الخلاف، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك، وهذا قد ورد شرعنا به، وذلك قوله تعالى:

والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس

[الفرقان: 68] إلى قوله:

إلا من تاب...

[الفرقان: 70]، الآية، وأما قوله تعالى: ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا... ﴾ الآية، فالصواب في معناها: أن جزاءه جهنم، فقد يجازي بذلك وقد يجازى بغيره، وقد لا يجازى بل يعفى عنه، فإن قتل عمدا مستحلا بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد، يخلد في جهنم بالإجماع، وإن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص، مرتكب كبيرة، جزاؤها جهنم خالدا فيها، لكن تفضل الله تعالى وأخبر أنه لا يخلد من مات موحدا فيها، فلا يخلد هذا، ولكن قد يعفى عنه ولا يدخل النار أصلا، وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر عصاة الموحدين، ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار.

قال: فهذا هو الصواب في معنى الآية، ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة، أن يتحتم ذلك الجزاء، وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم، وإنما فيها أنها جزاؤه، أي: يستحق أن يجازى بذلك، وقيل: وردت الآية في رجل بعينه، وقيل: المراد بالخلود طول المدة، لا الدوام، وقيل معناها: هذا جزاؤه، إن جازاه، وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة، لمخالفتها حقيقة لفظ الآية، فالصواب ما قدمناه. انتهى.

وقال علاء الدين الخازن: اختلف العلماء في حكم هذه الآية، هل هي منسوخة أم لا؟ وهل لمن قتل متعمدا توبة أم لا؟ فروي عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا، فتلوت عليه الآية التي في الفرقان:

والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق

[الفرقان: 68]، إلى آخر الآية، قال: هذه آية مكية، نسختها آية مدنية: ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم ﴾. وفي رواية قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فرحلت إلى ابن عباس، فقال: نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء، وفي رواية أخرى، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالمدينة:

والذين لا يدعون مع الله إلها آخر...

[الفرقان: 68] إلى قوله:

مهانا

[الفرقان: 69]. فقال المشركون: وما يغني عنا الإسلام، وقد عدلنا بالله، وقد قتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش؟ فأنزل الله تعالى:

إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا...

[الفرقان: 70]، إلى آخر الآية، زاد في رواية: فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا توبة له، أخرجاه في الصحيحين، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه ناظر ابن عباس في هذه الآية فقال: من أين لك أنها محكمة؟ فقال ابن عباس: تكاثف الوعيد فيها.

محاسن التأويل · الصفحة ٦٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٦٥٢