تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن مسعود: إنها محكمة، وما تزداد إلا شدة، وعن خارجة بن زيد قال: سمعت زيد بن ثابت يقول: أنزلت هذه الآية: ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خلدا فيها ﴾ ، بعد التي في الفرقان:

والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق

[الفرقان: 68]، بستة أشهر، أخرجه أبو داود والنسائي، وزاد النسائي، في رواية: بثمانية أشهر.

وقال زيد بن ثابت: لما نزلت هذه الآية في الفرقان:

والذين لا يدعون مع الله إلها آخر

[الفرقان: 68] عجبنا من لينها، فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة، وأراد بالغليظة هذه الآية التي في سورة النساء، وباللينة آية الفرقان، وذهب الأكثرون من علماء السلف والخلف إلى أن هذه الآية منسوخة، واختلفوا في ناسخها، فقال بعضهم: نسختها التي في الفرقان، وليس هذا بالقوي، لأن آية الفرقان نزلت قبل آية النساء، والمتقدم لا ينسخ المتأخر، وذهب جمهور من قال بالنسخ إلى أن ناسخها الآية التي في النساء أيضا، وهي قوله تعالى:

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء

[النساء: 48، 116] وأجاب، من ذهب إلى أنها منسوخة، عن حديث ابن عباس المتقدم المخرج في الصحيحين: بأن هذه الآية خبر عن وقوع العذاب بمن فعل ذلك الأمر المذكور في الآية، والنسخ لا يدخل الأخبار، ولئن سلمنا أنه يدخلها النسخ، لكن الجمع بين الآيتين ممكن بحيث لا يكون بينهما تعارض، وذلك بأن يحمل مطلق آية النساء على تقييد آية الفرقان، فيكون المعنى: فجزاؤه جهنم إلا من تاب. وقال بعضهم: ما ورد عن ابن عباس إنما هو على سبيل التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل، فهو كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل يقال له: لا توبة لك، وإن قتل ثم ندم وجاء تائبا يقال له: لك توبة.

وقيل: إنه قد روي عن ابن عباس مثله، وروي عنه أيضا أن توبته تقبل، وهو قول أهل السنة، ويدل عليه الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى:

وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى

[طه: 82]، وقوله:

إن الله يغفر الذنوب جميعا

[الزمر: 53]. وأما السنة فما روي عن جابر بن عبد الله قال:

" جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما الموجبتان؟ قال: " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك به شيئا دخل النار "

، أخرجه مسلم. وروى الشيخان عن عبادة بن الصامت قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال:

" تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق "

وفي رواية:

" ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه "

، فبايعناه على ذلك. انتهى.

وقال العلامة أبو السعود: تمسكت الخوارج والمعتزلة بها في خلود من قتل المؤمن عمدا في النار، ولا متمسك لهم فيها، لا لما قيل من أنها في حق المستحل، كما هو رأي عكرمة وأضرابه، بدليل أنها نزلت في مقيس بن صبابة الكناني المرتد، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، بل لأن المراد بالخلود هو المكث الطويل لا الدوام، لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم.

وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا، وكذا ما روي عن سفيان: أن أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له - محمول على الاقتداء بسنة الله تعالى في التشديد والتغليظ، وعليه يحمل ما روي عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة "

، وقال عون بن عبد الله وبكر بن عبد الله وأبو صالح: المعنى: هو جزاؤه إن جازاه، قالوا: قد يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر: إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب، ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا.

محاسن التأويل · الصفحة ٦٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٦٥٣