تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الباب أحاديث كثيرة، فمن ذلك ما رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" يجيء المقتول متعلقا بقاتله يوم القيامة، آخذا رأسه بيده الأخرى، فيقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني؟ قال: فيقول: قتلته لتكون العزة لك، قال: فإنها لي. قال: ويجيء آخر متعلقا بقاتله فيقول: رب! سل هذا فيم قتلني؟ قال: فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له بؤ بإثمه قال، فيهوي به في النار سبعين خريفا "

، ورواه النسائي. وأخرج الإمام أحمد والنسائي عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا "

وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد قال: أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي: فقال لنا: هلما فأنتما أشب سنا مني، وأوعى للحديث مني، فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم، فقال له أبو العالية: حدث هؤلاء حديثك، فقال: حدثنا عقبة بن مالك الليثي قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأغارت على قوم، فشد مع القوم رجل فاتبعه رجل من السرية شاهرا سيفه، فقال الشاد من القوم: إني مسلم، فلم ينظر فيما قال، فضربه فقتله، فنمى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال فيه قولا شديدا، فبلغ القاتل، فبينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب إذ قال القاتل: والله! ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، قال: فأعرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم قال أيضا: يا رسول الله! ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته، ثم لم يصبر حتى قال الثالثة: والله! يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعرف المساءة في وجهه فقال:

" إن الله أبى على من قتل مؤمنا "

( ثلاث مرات ) ورواه النسائي، ثم قال ابن كثير: والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله عز وجل، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته، قال الله تعالى:

والذين لا يدعون مع الله إلها آخر

[الفرقان: 68] إلى قوله:

إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا

[الفرقان: 70] الآية وهذا خبر لا يجوز نسخه، وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين - خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل، والله أعلم.

وقال تعالى:

قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله

[الزمر: 53] الآية، وهذا عام في جميع الذنوب: من كفر وشرك وشك ونفاق وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب من أي ذلك تاب الله عليه، قال الله تعالى:

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء

[النساء: 48، 116] فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتقوية الرجاء، والله أعلم.

وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة، التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة. فأما الآية الكريمة وهي قوله تعالى: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا.

.. } الآية. فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه. وقد رواه ابن مردويه بإسناده مرفوعا، ولكن لا يصح، ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد لا يكون لذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة والإحباط، وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، والله أعلم بالصواب، وبتقدير دخول القاتل في النار، إما على قول ابن عباس ومن وافقه، أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به فليس بمخلد فيها أبدا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان.

محاسن التأويل · الصفحة ٦٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٦٥١