تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا أقسم بهذا البلد

[البلد: 1]

لا أقسم بيوم القيامة

[القيامة: 1]

فلا أقسم بالخنس

[التكوير: 15]

فلا أقسم بمواقع النجوم

[الواقعة: 75]

فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون

[الحاقة: 38-39]، ولم تدخل أيضا إلا على القسم بغير الله تعالى، ولذلك سر يأبى كونها في هذه الآية لتأكيد القسم ويعين كونها للتوطئة: وذلك أن المراد بها في جميع الآيات التي عددناها تأكيد تعظيم المقسم به، إذ لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له، فكأنه بدخولها يقول: إن إعظامي لهذه الأشياء بالقسم بها، كلا إعظام، يعني أنها تستوجب من التعظيم فوق ذلك، وهذا التأكيد إنما يؤتى به رفعا لتوهم كون هذه الأشياء غير مستحقة للتعظيم، وللإقسام بها، فيزاح هذا الوهم بالتأكيد، في إبراز فعل القسم مؤكدا بالنفي المذكور، وقد قرر الزمخشري هذا المعنى في دخول (لا) عند قوله:

لا أقسم بيوم القيامة

[القيامة: 1] على وجه مجمل، هذا بسطه وإيضاحه، فإذا بين ذلك، فهذا الوهم الذي يراد إزاحته في القسم بغير الله، مندفع في الإقسام بالله، فلا يحتاج إلى دخول (لا) مؤكدة للقسم، فيتعين حملها على الموطئة، ولا تكاد تجدها، في غير الكتاب العزيز، داخلة على قسم مثبت، وأما دخولها في القسم، وجوابه نفي، فكثير مثل:

فلا وأبيك ابنة العامري

لا يدعي القوم أني أفر

وكقوله:

ألا نادت أمامة باحتمال

لتحزنني، فلا بك ما أبالي

وقوله:

رأى برقا فأوضع فوق بكر

فلا بك ما أسال ولا أغاما

وقوله:

فخالف فلا والله تهبط تلعة

من الأرض إلا أنت للذل عارف

وهو أكثر من أن يحصى، فتأمل هذا الفصل فإنه حقيق بالتأمل. انتهى.

الخامس: أعلم أن كل حديث صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن رواه جامعو الصحاح، أو صححه من يرجع إليه في التصحيح من أئمة الحديث، فهو مما تشمله هذه الآية، أعني قوله تعالى: ﴿ مما قضيت ﴾ فحينئذ يتعين على كل مؤمن بالله ورسوله الأخذ به وقبوله ظاهرا وباطنا، وإلا بأن التمس مخارج لرده أو تأويله، بخلاف ظاهره، لتمذهب تقلده وعصبية ربي عليها، كما هو شأن المقلدة أعداء الحديث وأهله - فيدخل في هذا الوعيد الشديد المذكور في هذه الآية، الذي تقشعر له الجلود وترجف منه الأفئدة.

قال الإمام الشافعي في الرسالة التي أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسله عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى عمر، فسأل عن وليدة من ولائد الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان، فقال: صدقت، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالفراش.

قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مخلد بن خفاف قال: ابتعت غلاما فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مثل هذا، أن الخراج بالضمان، فعجلت إلى عمر فأخبرته بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بن عبد العزيز: فما أيسر علي من قضاء قضيته، والله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق - فبلغتني فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج الذي قضى به علي له.

قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب قال: قضى سعيد بن إبراهيم على رجل بقضية، برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضى به، فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة، يخبرني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخلاف ما قضيت به، فقال له ربيعة: قد اجتهدت ومضى حكمك، فقال سعد: واعجبا، أنفذ قضاء سعد بن أم سعد وأرد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم! بل أرد قضاء سعد بن أم سعد بن أم سعد وأنفذ قضاء رسول لله صلى الله عليه وسلم، فدعى سعد بكتاب القضية فشقه، فقضى للمقضي عليه.

محاسن التأويل · الصفحة ٦١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٦١٦