وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح): روى الكلبي في تفسيره عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف، فذكر القصة، وفيه أن عمر قتل المنافق وأن ذلك سبب نزول هذه الآيات وتسمية عمر الفاروق، وهذا الإسناد، وإن كان ضعيفا، لكن تقوى بطريق مجاهد، ولا يضره الاختلاف، لإمكان التعدد. وأفاد الواحدي بإسناد صحيح عن سعيد عن قتادة أن اسم الأنصاري المذكور قيس، ورجح الطبري في (تفسيره) وعزاه إلى أهل التأويل في (تهذيبه) أن سبب نزولها هذه القصة، ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد، قال: ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك.
ثم قال: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية، والله أعلم. انتهى.
قال الرازي: اعلم أن قوله تعالى: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الإيمان إلا عند حصول شرائط: أولها: قوله تعالى: ﴿ حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا.
الشرط الثاني: قوله: ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾. واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا في الظاهر دون القلب، فبين في هذه الآية، أنه لا بد من حصول الرضا به في القلب، واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر، فليس المراد من الآية ذلك. بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق. الشرط الثالث: قوله: ﴿ ويسلموا تسليما ﴾. واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا، قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول، فبين تعالى أنه، كما لا بد في الإيمان من حصول ذلك اليقين في القلب، فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر، فقوله: ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾ المراد به الانقياد في الباطن، وقوله: ﴿ ويسلموا تسليما ﴾ المراد منه الانقياد في الظاهر، والله أعلم.
الثالث: قال الرازي: ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه لا يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق وأنه لا يجوز العدول منه إلى غيره، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس، وقوله: ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ﴾ مشعر بذلك، لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص، فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه، إلا بعد ألا يلتفت إلى ذلك الحرج، ويسلم النص تسليما كليا، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف.
الرابع: (لا) في قوله تعالى: ﴿ فلا وربك ﴾ قيل: إنها رد لمقدر، أي: تفيد نفي أمر سبق، والتقدير: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف القسم بقوله: ﴿ وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ﴾ وقيل: مزيدة لتأكيد النفي الذي جاء فيما بعد أعني الجواب، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن، وقيل: إنها مزيدة لتأكيد معنى القسم، وارتضاه الزمخشري، قال كما زيدت في:
لئلا يعلم
[الحديد: 29] لتأكيد وجوب العلم، قال في (الانتصاف) يشير إلى أن (لا) لما زيدت مع القسم، وإن لم يكن المقسم به، دل ذلك على أنها إنما تدخل فيه لتأكيد القسم، فإذا دخلت حيث يكون المقسم عليه نفيا، تعين جعلها لتأكيد القسم، طردا للباب، أو الظاهر عنده، والله أعلم، أنها هنا لتوطئة النفي المقسم عليه، والزمخشري لم يذكر مانعا من ذلك، وحاصل ما ذكره مجيئها لغير هذا المعنى في الإثبات، وذلك لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة، على أن في دخولها على القسم المثبت نظرا، وذلك أنها لم ترد في الكتاب العزيز إلا مع القسم حيث يكون بالفعل، مثل: