قال الشافعي: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابي، قال: حدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح:
" من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود "
قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا، يا أبا الحارث؟ فضرب صدري وصاح علي صياحا كثيرا، ونال مني وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم، آخذ به، وذلك القرض علي وعلى من سمعه، إن الله تبارك وتعالى اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه، واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين داخرين، لا مخرج لمسلم من ذلك. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت. انتهى.
قال الإمام الفلاني في (إيقاظ الهمم) بعد نقل ما مر: تأمل فعل عمر بن الخطاب وفعل عمر بن عبد العزيز وفعل سعد بن إبراهيم، يظهر لك أن المعروف عند الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء المسلمين، أن حكم الحاكم المجتهد، إذا خالف نص كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجب نقضه ومنع نفوذه، ولا يعارض نص الكتاب والسنة بالاحتمالات العقلية والخيالات النفسانية والعصبية الشيطانية، بأن يقال: لعل هذا المجتهد قد اطلع على هذا النص وتركه لعلة ظهرت له، أو أنه اطلع على دليل آخر، ونحو هذا، مما لهج به فرق الفقهاء المعصبين، وأطبق عليه جهلة المقلدين فافهم.
انتهى.
وقال ولي الدين التبريزي في (مشكاة المصابيح) في (الفصل الثالث عشر) من (باب الجماعة وفضلها): وعن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم "
، فقال بلال: والله! لنمنعهن، فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول أنت: لنمنعهن؟ (وفي رواية سالم عن أبيه) قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعت سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: والله! لنمنعهن. رواه مسلم، وعن مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" لا يمنعن رجل أهله أن يأتوا المساجد "
، فقال ابن لعبد الله بن عمر: فإنا نمنعهن، فقال عبد الله: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول هذا؟ قال: فما كلمه عبد الله حتى مات، رواه الإمام أحمد.
وقال الطيبي شارح (المشكاة): عجبت ممن سمي بالسني، إذا سمع من سنة رسول الله وله رأي، رجح رأيه عليها، وأي فرق بينه وبين المبتدع؟ أما سمع:
" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "
؟ وها هو ابن عمر، وهو من أكابر الصحابة وفقهائها، كيف غضب لله ورسوله وهجر فلذة كبده لتلك الهنة، عبرة لأولي الألباب.
وروى الإمام مسلم في (صحيحه) في (كراهة الخذف) قبيل (كتاب الأضاحي)، عن سعيد بن جبير أن قريبا لعبد الله بن مغفل خذف، قال فنهاه وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف، وقال:
" إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين "
فقال فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ثم تخذف، لا أكلمك أبدا.
قال النووي: فيه جواز هجران أهل البدع والفسوق، وأنه يجوز هجرانهم دائما، فالنهي عنه فوق ثلاثة أيام إنما هو في هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا، وأما هجر أهل البدع، فيجوز على الدوام، كما يدل عليه هذا مع نظائر له، لحديث كعب بن مالك.
قال السيوطي: وقد ألفت مؤلفا سميته (الزجر بالهجر) لأني كثير الملازمة لهذه السنة. ا. ه.
أقول: حديث الخذف ساقه الحافظ الدارمي في (سننه) تحت باب (تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث فلم يعظمه ولم يوقره) ورواه من طرق متنوعة، وفي بعضها: أحدثك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الخذف ثم تخذف؟ والله! لا أشهد لك جنازة ولا أعودك في مرض ولا أكلمك أبدا. وأسند الدارمي في هذا الباب عن قتادة عن ابن سيرين؛ أنه حدث رجلا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: قال فلان وفلان: كذا وكذا! فقال ابن سيرين: أحدثك عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: قال فلان وفلان؟ لا أكلمك أبدا، وأسند أيضا فيه عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب يودعه بحج أو عمرة، فقال له: لا تبرح حتى تصلي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: