تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أقول: وقع في التفسير المنسوب لابن عباس، ههنا، ذكر حاطب بن أبي بلتعة وتلقيبه بالمنافق وإدراجه تحت قوله تعالى:

رأيت المنفقين

[النساء: 61] وفي صحة هذا عن ابن عباس نظر، وكيف؟ وقد كان رضي الله عنه من البدريين، وقد انتفى النفاق عمن شهدها.

قال التوربشتي: يحتمل أنه أصدر ذلك منه بادرة النفس، كما وقع لغيره ممن صحت توبته، إذا لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة التي هي المدح ولو شاركهم في النسب، قال: بل هي زلة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة.

انتهى.

ولما هم عمر رضي الله عنه بضرب عنقه في قصة الظعينة، قال حاطب: لا تعجل علي يا رسول الله! والله! إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت ولا بدلت، فأقره صلى الله عليه وسلم، وكف عمر عنه، وقال صلى الله عليه وسلم لعمر: " إنه قد شهد بدرا، وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ، فذرفت عينا عمر... الحديث.

ولله در أصحاب الصحاح حيث أبهموا في قصة الزبير اسم خصمه سترا عليه كيلا يغض من مقامه، وهكذا ليكن الأدب، وكفانا أصلا عظيما في هذا الباب إبهام التنزيل الجليل في كثير من قصصه الكريمة، فهو ينبوع المعارف والآداب على مرور السنين والأحقاب، هذا كله على الجزم بأنها نزلت في قصة الزبير وخصمه. وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح): والراجح رواية الأكثر، وأن الزبير كان لا يجزم بذلك، ثم قال الحافظ ابن حجر: وجزم مجاهد والشعبي بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية التي قبلها وهي قوله تعالى: ﴿ ألم تر... ﴾ الخ فروى إسحاق بن راهويه في (تفسيره) بإسناد صحيح عن الشعبي، قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافق اليهودي إلى حاكمهم، لأنه علم أنهم يأخذونها، فأنزل الله هذه الآيات، إلى ﴿.... ويسلموا تسليما ﴾.

وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، نحوه. وروى الطبري بإسناد صحيح عن ابن عباس أن حاكم اليهود يومئذ كان أبا برزة الأسلمي قبل أن يسلم ويصحب.

وروي بإسناد آخر صحيح إلى مجاهد؛ أنه كعب بن الأشرف. انتهى.

وقال ابن كثير: ذكر سبب آخر غريب جدا، قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس ابن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما، فقال المقضي عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم انطلقا إليه " ، فلما أتيا إليه، فقال الرجل يا ابن الخطاب! قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال: ردنا إلى عمر بن الخطاب فرددنا إليك، فقال: أكذاك؟ قال: نعم: فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر، فقتله، وأدبر الآخر، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! قتل عمر، والله! صاحبي، ولولا أني أعجزته لقتلني.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن " ، فأنزل الله: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون... ﴾ الآية فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فأنزل: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ﴾ الآية وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به، وهو أثر غريب مرسل، وابن لهيعة ضعيف، والله أعلم.

طريق أخرى: قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في (تفسيره): حدثنا شعيب بن شعيب، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عتبة بن حمزة، حدثني أبي أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى، فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قضى له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي، فقال أبو بكر: أنتما على ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى صاحبه أن يرضى، فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، فسأله عمر بن الخطاب، فقال كذلك فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده سله، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى، فقتله، فأنزل الله: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون... ﴾ الآية. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٦١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٦١٤