فإذا شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم) (والجنة بضم الجيم: الوقاية) .
ولهذا المعنى كانت النية شرطا في صحة الصيام وسائر العبادات، وقال -
صلى الله عليه وسلم - (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه
البخاري في فاتحة صحيحه، وليست النية المفروضة في العمل إلا ملاحظة
الغرض المراد منه والباعث عليه، لا قصد نفس العمل بتصوره عند الشروع فيه
كما قال الكثيرون، فإن هذا أمر ضروري في كل عمل اختياري؛ إذ لا يمكن
الشروع فيه مع غفلة النفس عنه وعدم توجهها إليه، ولكن نص على طلبه في
الصيام بوجه خاص؛ لأنه أمر سلبي وهو ترك الشهوات المعلومة، والترك هو
الأصل، فلا يتوقف على قصد إلا إذا عارضت داعية الفعل داعية استمرار الترك،
وهذا إنما يكون بعمل نفسي وهو ترجيح الترك وقصد الاستمرار عليه، ولهذا
احتيج في جعل الترك المخصوص - وهو الصيام - في الزمن المعين - وهو
النهار - إلى توجه خاص قبل الشروع؛ ليكون عبادة مستغرقة لهذا الزمن، وهو
معنى حديث حفصة في السنن الأربع: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام
له) أي: من لم يعزم عليه في الليل لا يصح منه، فنية نفس الصيام هي العزم على
كف النفس عن المفطرات مدة النهار، وهي غير النية فيه التي تصاحب هذا العزم،
فهذه أخت الاحتساب، وهو الإخلاص لله وابتغاء مرضاته وثوابه بالإتيان بالعبادة
على الوجه الذي شرعها الله تعالى لأجله، وهو في الصيام ما تقدم بيانه في فاتحة
هذا الكلام، وفي الحديث المتفق عليه في الكتب الستة: (من صام رمضان إيمانا
واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) ، وفي رواية: (إيمانا واحتسابا ونية) ، وقد
يصوم الإنسان رياء أو تطببا أو تعودا لا تعبدا، والتعبد بالصيام لا ينافي قصد
منافعه البدنية والاجتماعية، من حيث إن الله هدانا إليها؛ لأنه شرع لنا العبادة
لمنفعتنا لا لإعانتنا وإتعابنا.
فينبغي لكل مؤمن أن يلاحظ بصيامه باعث الإيمان بالله والإذعان لدينه الذي
شرعه لخير العباد؛ لأنه غني عنهم وعن صيامهم وسائر أعمالهم، وأن يلاحظ
طلب مرضاته وثوابه بطاعته، وشكره على جعل تربيته له وهدايته لمنافعه في
الدنيا سببا لنيل نعيمه وكرامته في الآخرة، وأن يتذكر عند التألم من الجوع
والعطش أن الله تعالى يريد أن يهذبه ويقوي عزيمته باحتمال الآلام التي تطلق
اختيارا، حتى يسهل عليه حمل مثلها، وما هو أشد منها إذا اضطر إليه اضطرارا
، وحتى يكون إنسانا كاملا لا تعبث به الشهوات الجسدية ولا الأهواء النفسية، وإن
عبد الشهوة التي لا يستطيع مخالفتها يجني على بدنه فينهك صحته، ويجني على
ماله فيتلفه، ويجني على عرضه فيثلم شرفه، ويجني على وطنه فيضيع حقوقه،
ويجني على دينه فيخسر دنياه وآخرته.
وينبغي للصائم إذا كان ملكا أو أميرا أو غنيا كبيرا أن يلاحظ في صومه فوق
ما ذكر أن الله تعالى يحب أن يهذب بهذا الصيام نفسه بإشعاره المساواة بينه وبين
الضعفاء والفقراء من العمال والصناع، لكي يتقي الكبرياء والبخل والقسوة، ويزداد
علما بقيمة ما أوتيه من الجاه والحرمة، وما امتاز به من النعمة، فيشكر الله تعالى
على ذلك باحترام من دونه، والإفاضة على الفقراء والمساكين من فضل ماله،
فيحبه الله ويحببه إلى خلقه، ويرضي كل ذي حق بحقه، وإن لم يفعل هو وأمثاله
هذا يحنق الفقراء عليهم، وربما يمدون أيدي الأذى إليهم، بل ذلك واقع ومنذر
بأعظم انقلاب اجتماعي في الأرض، ولا يدرؤه إلا الاهتداء بالإسلام، ولا سيما
إقامة ركني الزكاة والصيام، كما ينبغي للصائم الفقير والخامل الذي لا يؤبه له أن
يعلم أن الله قد ساوى في هذه العبادة وغيرها بينه وبين الملوك والأمراء وكبار
الأغنياء تكريما له بدينه، كما أوجب عليهم أن يشاركوه بفضل أموالهم، فيكرم
نفسه ولا يرضى لها بالذلة والمهانة.