تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل ينفقونها جزافا في أماكن اللهو والبطالة، وبذلك تسوء عيشة العائلات

وتتنغص حياتها، بل ربما أدى بها الأمر أحيانا إلى المفاسد وقبيح الأعمال.

ومن الواجبات العائلية ترفيه العائلة، والتوسعة عليها بالنفقة، وإعداد ما يلزم

لها من وسائل الراحة والهناء، ومرافق الحياة والعيش، وقد حض الشارع - صلى

الله عليه وسلم - على ذلك في أحاديث كثيرة منها:

- (ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله) .

- (شر الناس المضيق على أهله) .

- (أول ما يوضع في ميزان المرء إنفاقه على أهله) .

أي: إن النفقة عليهم من أول الأعمال التي يثاب عليها.

(دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به

على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا ذلك الذي أنفقته على أهلك) .

- (أطعم زوجك إذا طعمت، واكسها إذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه ولا

تضربه) [3] .

ينهى عن ضربها وكل ما يؤذيها، وعن تقبيح وجهها، فلا يواجهها بقبيح القول

وفظيع الشتم، أو المعنى: لا يقول لها: قبح الله وجهك. وهو شتم مألوف بينهم،

نهى الشارع عنه بخصوصه.

- (الويل كل الويل لمن ترك عياله بخير، وقدم على ربه بشر) .

في هذا الحديث تحذير لأرباب العائلات الذين يجمعون المال حلالا وحراما

سدا لحاجات عائلاتهم، وإشباعا لنهماتهم، فهو - صلى الله عليه وسلم - يقول:

يالتعاسة ذلك الأب الذي يترك عائلته بعد موته في سعة من الرزق وبحبوحة العيش

من مال جمعه حراما لهم ثم يقدم على ربه يوم القيامة وهو مثقل بتبعات ذلك المال

الذي جمعه وخان الناس فيه، فيعذبه الله عليه، ويكون قد أشبه الشمعة التي تضيء

للناس وتحرق نفسها، فإذا كانت التوسعة على العيال واجبا عائليا على رب العائلة

فإن تحري الإنفاق عليها من المال الحلال هو أيضا واجب عائلي عليه، تجدر به

مراعاته والانتباه إليه.

وأما الأولاد والصبيان فهم ثمرة الحياة، وريحانة البيت، وأمل العائلة،

والغاية المقصودة من الزواج، قال - صلى الله عليه وسلم -:

- (بيت لا صبيان فيه لا بركة فيه) .

- (ريح الولد من ريح الجنة) .

- (الولد ريحان الجنة) .

لكن ينبغي للآباء والأمهات أن يعلموا أن أولادهم ليسوا ملكا لهم كملكهم

أشياءهم، وأنه لم تمنحهم العناية الإلهية لهم؛ ليكونوا بمثابة متاع أو قطعة زينة في

البيت ينافس بها، ويحرص عليها، وتتلذذ النفس بالنظر إليها فحسب، وإنما خلقوا

ليقضوا زمن الصبوة في حجر العائلة ثم يخرجوا منها أحرارا مستقلين، ويضافوا

مددا إلى الرجال العاملين.

فالعائلة إذن مكلفة بتربية الطفل وتهيئته جسما ونفسا وخلقا للقيام بوظائفه

المختلفة في خدمة قومه ووطنه، وإن العناية بالأولاد وتربيتهم هذه التربية الصالحة

من أكبر واجبات الأبوين التي يفرضها الشرع ونظام الاجتماع عليهم، كما أن

إهمالهم والتفريط في تربيتهم من أكبر الجنايات التي يمقتها الشرع وتعاقب عليها

القوانين المدنية [4] ، قال - صلى الله عليه وسلم -:

- (أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم، فإن أولادكم هدية الله إليكم) .

ولا يخفى أن الشكر على الهدية إنما يكون في تقبلها بفرح، ثم العناية بها

والمحافظة عليها، كما أن التفريط فيها كفران لحق من أهداها، وباعث على غضبه

ونقمته.

- (لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع) [5] .

حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية، وأن لا يرزقه إلا

حلالا طيبا) .

هذه أهم علوم الرجل [6] في ذلك العهد، ومنها الرماية بالسهام، أما اليوم فقد

اختلفت الأحوال وتبدلت الأوضاع، واستجدت علوم لم يكن يعتنى بها من قبل،

فالواجب على أولياء الأولاد اليوم أن يعلموهم منها ما هم في حاجة ماسة إليه، وإن

الإسلام ليقدر هذا الاختلاف الزماني قدره كما ورد في الأثر.

- (خلقوا أولادكم بغير أخلاقكم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم) [7] .

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٣٩