تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا كانت الأخلاق تختلف بين زمن الأب وابنه، فكيف يكون مبلغ اختلافها

بين زمن السلف وزماننا هذا؟

- (أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة) .

يرشد الشارع - صلى الله عليه وسلم - المرأة في هذا الحديث إلى واجبها في

تربية أولادها، وهي أجدر بهذا الخطاب الشرعي من الرجل، فهو يقول لها: إن

تركها الاشتغال بما لا ينفعها، والعكوف على تربية أولادها في بيتها خير وسيلة

إلى دخول الجنان.

- (ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن) .

كأن هذا تعريض بمن يخص بعض أولاده بالنحل والعطايا ونفيس المتاع،

وقد ورد النهي عن ذلك صريحا في الأحاديث الأخرى.

- (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يبروكم)

- (إن الله يحب أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القبل)

و (القبل) على وزان غرف جمع قبلة وهي التقبيلة.

- (ساووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء) .

لعل السبب في استحقاق النساء للتفضيل أنهن سريعات التأثر، رقيقات

الشعور، شديدات الغيرة، فهن لذلك أجدر بالعطايا وأنواع البر واللطف (الهدايا)

من إخوتهم الذكور، ومع هذا فإن الشارع نهى عنه خشية التنافس والتحاسد بين

الأولاد، وفي الحديث إشارة لطيفة إلى وجوب العناية بالنساء ومراعاة شعورهن

وعواطفهن، ومن هذا القبيل ما ورد في الحديث: وهو أنه - صلى الله عليه

وسلم -:

- (كان يكسو بناته خمر القز والإبريسم) .

يفعل ذلك موافاة لرغبتهن، ومراعاة لميلهن وتنافسهن في لبس الحرير

والنفيس من الثياب، والإسلام لا يفرق بين الذكر والأنثى في الحب والعناية

والتربية كما رأيت، وسيأتي في بحث (النساء والأيتام) زيادة بيان لذلك، وإن

أهم الأغراض التي جاء الإسلام من أجلها هدم ما كان عليه أهل الجاهلية من هضم

المرأة وإذلالها والتفريط أحيانا بحياتها، حتى عابهم القرآن في ذلك وعيرهم به،

قال تعالى: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من

القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه} (النحل: 58-59) .

هذا هو حال أهل الجاهلية قبل الإسلام: كانوا إذا ولد لأحدهم أنثى اكفهر

وجهه، واستخفى عن أعين الناس حياء وخجلا، ثم فكر في كيف يتخلص من هذا

الضيف الثقيل؟ أيصبر عليه؟ أو يئده تحت التراب؟ فجاء الإسلام ناعيا عليهم

حالتهم هذه، وبشر بالمرأة ووجوب العناية بها، وإعطائها حقها من الوجود

ونصيبها من الحقوق، ومما قاله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى: (لا

تكرهوا البنات فإنهن المؤنسات الغاليات) .

وكان - صلى الله عليه وسلم - يصلي فتتشبث به (أمامة) ابنة ابنته زينب،

فكان يحملها على عاتقه، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.

وإنما نهى الشارع - صلى الله عليه وسلم - عن تفضيل بعض الأولاد

بالعطية تفاديا من التحاقد والتحاسد بينهم كما مر آنفا، بل قد يحقدون أحيانا على

أبيهم نفسه، والأب مأمور بأن لا يتعاطى من الأسباب ما يثير شيطان العقوق في

نفس ولده، ومن قوله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك:

- (رحم الله والدا أعان ولده على بره) .

- (أعينوا أولادكم على بركم، من شاء استخرج العقوق من ولده) .

أي: إنه في مكنة الأب أن يحمل ابنه على العقوق وترك الطاعة، وذلك يكون

بتفضيل أخيه عليه بوصية أو عطية أو تقريظ، أو ابتسامة أحيانا، فليكن الأب

حكيما فطنا ضابطا لعواطفه وتوزيعها بالعدل بين أولاده، وإلا جر على نفسه

وعائلته من بعده تعبا وبلاء.

وكما يطالب الولد ببر والده يطالب الوالد نفسه ببر ولده، وبر كل منهما

بحسبه، وقد وصف - صلى الله عليه وسلم - قوما من الأبرار فقال:

(إنما سماهم الله الأبرار؛ لأنهم بروا الآباء والأمهات والأبناء، كما أن

لوالديك عليك حقا كذلك لولدك) .

ومن جملة بر الوالد لولده ما ذكر - صلى الله عليه وسلم - في قوله:

(لا يعد الرجل صبيه ثم لا يفي له) .

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٤٠