تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلتنظر الأمم كيف تضع نظام عائلاتها على أساس وطيد ثابت، ولينظر الآباء

واجبهم الشرعي والاجتماعي من هذا القبيل.

وأول واجب عليهم حسن اختيار سيدة المنزل، وقد ورد في الأحاديث النبوية

الحض على العناية باختيارها لينجب أولادها، ويطيب العيش معها، وقد امتن

حكيم من حكماء العرب على أولاده في قيامه بهذا الواجب نحوهم مذ قال:

وأول إحساني إليكم تخيري ... لماجدة الأعراق باد عفافها

ومن الواجبات العائلية أيضا العناية بتربية الأهل والعيال وتعليمهم ما به

صلاح أمرهم، وتثقيف عقولهم، وبهذا المعنى فسروا قوله تعالى: {يا أيها الذين

آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} (التحريم: 6) ؛ أي: حولوا بينهم وبين شقاء

العذاب بما تعلمونهم إياه من ضروب الحكمة والعلم النافع، وبهذا المعنى أيضا ورد

قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم) .

يخاطب قوما يريدون ممارسة بعض الأعمال، فأمرهم بالانصراف عنها إلى

ما هو أهم منها وهو أن يرجعوا إلى نسائهم وأولادهم فيعلموهم.

وحض الشارع على التخلق بالأخلاق الفاضلة إن لم يكن لذاتها؛ فلأنها تكون

وسيلة إلى تخلق أفراد العائلة بها فقال - صلى الله عليه وسلم -: (عفوا تعف

نساؤكم، وبروا تبركم أبناؤكم) .

فمن عف عن فعل القبيح كان خليقا أن تعف نساؤه، ومن بر أباه كان جديرا

أن تبره أبناؤه.

أما أحاديث الحض على حسن معاملة الأهل والعيال والرفق بهم وترك الغلظة

عليهم، فكثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم:

(خيركم [1] خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) .

(إن من أكمل [2] المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله) .

(خير الرجال من أمتي الذين لا يتطاولون على أهليهم، ويحسنون إليهم، ولا

يظلمونهم) .

(إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه؟ حتى يسأل

الرجل عن أهل بيته) أي: يسأله كيف كان صنيعه بهم ومعاملته لهم حسنة أم قبيحة؟

فيجازى بحسب ذلك.

(كان - صلى الله عليه وسلم - في بيته ألين الناس وأكرم الناس، ضحاكا

بساما) .

(كان - صلى الله عليه وسلم - أرحم الناس بالصبيان العيال) .

(من كان له صبي فليتصاب له) .

أي: ليتنزل أن يفعل في ملاعبته فعل الصبيان تطييبا لنفسه، وإدخالا للسرور

على قلبه، وروي: (أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج مع أصحابه ذات يوم

إلى طعام دعوا له، فإذا بابن بنته الحسين وهو صبي يلعب مع صبية في السكة،

فاستنتل رسول الله أمام القوم - أي انفرد عنهم وتقدمهم -وأقبل على الحسين،

فطفق يفر مرة ههنا ومرة ههنا، ورسول الله يضاحكه، ثم أمسكه فجعل إحدى يديه

تحت ذقنه والأخرى تحت فأس رأسه - أي قفا رأسه من تحت قذاله - وأقنعه - أي

رفعه - وجعل يقبله وقال: (أنا من حسين وحسين مني، أحب الله من أحب

حسينا) .

أما حسن معاشرته لنسائه الطاهرات، فالسنة مستفيضة به، من ذلك ما روي

في الصحاح عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (لقد رأيت رسول الله -

صلى الله عليه وسلم - يوما على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في

المسجد، وهو يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم، وكان يقول لي: كفى؟ فأقول: لا،

حتى اكتفيت) ، ومن جملة الرفق والعناية بالأهل والعيال ما ورد في الحديث وهو:

(كان - صلى الله عليه وسلم - لا يكاد يدع أحدا من أهله في يوم عيد إلا

أخرجه) - يعني أنه كان في صبيحة أيام الأعياد يخرج كل واحد من أفراد عائلته

إلى خارج المدينة حيث يجتمع المسلمون لصلاة العيد في مصلاها الخاص،

فيصلون ويشاهدون الناس في هذا الاجتماع الحافل، فيدخل عليهم السرور والفرح

برؤية ذلك.

(مشيك إلى المسجد وانصرافك إلى أهلك في الأجر سواء) .

سوى في الأجر والثواب بين المشيتين: مشي الرجل إلى عبادة ربه، ومشيه

راجعا إلى مسامرة عائلته، وكأن الشارع - صلى الله عليه وسلم - في قوله هذا

يعرض بأولئك القساة الذين لا يجعلون من أوقاتهم نصيبا مفروضا لمعاشرة عائلاتهم،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٣٨