يبصر به من هو أضعف بصيرة منه، والعلة في عدم تنبه الشاعر لذلك الخلل
قصر المدة فيما بين إنشاء القصيدة وإراءتها للملأ بحيث لا يتمكن من تجريد نظره
إلى كل بيت ونقد معناه من سائر وجوهه.
وربما أصيب الشاعر من اعتماده على براعته ومكانة سمعته؛ إذ كثيرا ما
يستفيد الشاعر من المقام والشهرة التي يدركها بين قومه فيتلقون شعره باستحسان
فوق ما يتلقون به شعر غيره ممن لم يقم لهم صيت، وإن كان في نفسه أبعد أمدا
وأحكم نسجا، فكثرة الإجادة وسعة الذكر قد تؤثر في همة الشاعر في بعض الأحيان
فيلقي القصيدة على علاتها ولا يحمل نفسه على التدقيق في نقدها، ومن ثم ترى
أكثر الذين يقعون في هذه العثرات إن هم إلا كبار الشعراء، والمكثرون منهم كأبي
تمام والمتنبي ومن كان في طبقتهم.
ويؤكد لك أن سيئات الشعراء في هذا الصدد إنما لصقت بهم من جهة عدم
نقدهم المعنى بعد أن تقذفه القريحة نقدا وافيا، إما لضيق الوقت أو اغترارا بما
ملكوا من البراعة وأحرزوا من الشهرة، أن أحدهم قد ترسل قريحته معنى فيقع منه
موقع الإعجاب حتى إذا أعاد عليه النظر مرة ثانية انكشف له من مساويه ما يجعله
في أسف على إذاعته، أو في ارتياح من عدم اطلاع الناس عليه.
ومن المحتمل أن يصوغ الشاعر المعنى فتأخذ جهة الحسن بقلبه مأخذا بليغا،
ثم يعثر في صورته على وجه من الخلل ولا يتمكن من تلافيه وإكمال نقصه إلا
برفض الصورة من أصلها، وحيث يرى أن جهة الحسن أرجح، ويرجو أن تسبل
على ذلك المغمز فضل ردائها، فلا يشعر به الناقدون يبقي صورة المعنى على
حالها، ويجيزها للرواة، وهو بصير بعلتها، ولا أخال أن النابغة حين قال:
نظرت إليك لحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود
لم يخدش عاطفته أن يضع المحبوبة بمنزلة السقيم، ولكنه عز عليه أن يضرب
عن هذا التشبيه الذي لا يلحق شأوه وإن وخزه لفظ السقيم في ضميره
وخزات بالغة.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: المغربي
-----------------
<span class="footnote">