تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما جوابي أنا فهو أن الجلد لم ينبت ثانية، كما كان أولا بمجرد الاتفاق، بل إن

هناك من وضع رسوم النمو الثاني وعني بمطابقته لرسوم النمو الأول من كل وجه

وأنت لا تعلم شيئا من تلك الرسوم، فإن دماغك لم يشترك في هذا العمل، وهنا

تدخل الكائنات المشار إليها وتشترك في العمل، وأنا أعتقد جد الاعتقاد أنها تحوك

نسيج جلد الإبهام بمزيد العناية، مستعينة على رسم التفاصيل الدقيقة بذاكرتها

العجيبة.

ولزيادة الإيضاح أقول: لنفرض أن كائنا من سكان المريخ هبط إلى هذه

الأرض، ولنفرض أن بصره ليس دقيقا كبصرنا، وأن أصغر شيء يمكنه أن يراه

بعينيه هو جسر (كبري) مثل جسر بروكلن فهو إذا لا يرى أجسامنا، وقد يحسب

الجسر المذكور شيئا طبيعيا، كما نحسب نحن العشب أو الرمل أو المعادن وغيرها

من الأشياء الطبيعية، ولنفرض أنه هدم جسر بروكلن وذهب ثم عاد بعد سنين،

فمر من هناك فوجد جسرا جديدا مكان القديم وعلى مثاله، فهل يقوده الفكر الصحيح

إلى افتراض أن الجسر الجديد نما بنفسه مكان القديم، وعلى مثاله، أو إلى افتراض

أنه مد ثانية بفعل فاعل عاقل، لا ريب أن الفرض الثاني أقرب إلى العقل.

هذا هو الموقف الذي يجب أن نقفه نحن بإزاء الكائنات الحيوية، والمسألة

كلها مجرد افتراض وتخمين كما لا يخفى، فقد يكون 95 في المائة من تلك الكائنات

التي تتألف أجسامنا منها عمالا، والخمسة الباقية مديرة للعمل وقد يكون غير ذلك،

ومهما يكن من الأمر فإن مجموعها هو الذي يكون شكل أجسامنا الطبيعي وصفاتنا

العقلية وشخصياتنا وما أشبه ذلك.

وهذه الكائنات هي الحياة بعينها، وهي لا تفتأ تعمل وترمم أنسجة أجسامنا

وتشرف على وظائف أعضائنا، فإذا أصيب الجسم بطارئ أفضى إلى موته كأن

يكون مرضا عضالا أو عارضا أو هرما، فإن هذه الكائنات تفارقه ولا تترك

وراءها إلا بناء خاويا خاليا، ولما كانت عمالا لا تكل ولا تمل، فإما أن تدخل جسم

إنسان آخر أو تبدأ العمل في صورة أخرى من صور الحياة وأشكالها، وسواء كان

هذا أو ذاك فإن هذه الكائنات محدودة العدد، وهي نفسها عملت كل شيء في عالمنا

هذا، ولكن تعدد التراكيب التي تتألف منها هو الذي أوقعنا في الخطأ، فحسبنا أن

لكل مولود حياة جديدة.

وهذه الكائنات خالدة لا تموت، فإنك لا تستطيع إفناءها، كما لا تستطيع إفناء

المادة، وجهد ما هناك أنك تستطيع تغيير صورة المادة لا غير، فقد كان مقدار

الذهب والحديد والكبريت والأكسجين وغيرها في بدء العالم كما هو الآن بلا زيادة

ولا نقصان، نعم إننا نستطيع التغيير في تركيب مركبات هذه العناصر، ولكننا لم

نظفر بتغيير نسب بعضها إلى بعض.

وهذا هو حال الكائنات الحيوية، فإننا لا نستطيع إفناءها بل نغير صورها

وأشكالها، وقدرتها متعددة الضروب حتى يصعب علينا تمييز أعمالها في كل

الأحوال. وعليه لم يستطع العلماء حتى الآن أن يرسموا حدا بين الأشياء الحية

وغير الحية، وقد يكون أن هذه الكائنات تمتد إلى الجماد وتعمل فيه، وإلا فما

الشيء الذي يجعل البلورات تتكون على أشكال هندسية محددة؟

والآن نأتي إلى مسألة الشخصية، أنت لكربورا (اسم الكاتب) وأنا أو

أديصن؛ لأن في كل منا مجموعا من الكائنات يختلف عن مجموع الآخر، فقد

أثبت الطب باثنتين وثمانين عملية جراحية شهيرة عملت حتى الآن أن مركز

شخصيتنا هو في تلفيف من تلافيف الدماغ اسمه تلفيف (بروكا) ، ومن العقل

والصواب أن نفرض أن مركز مقر الكائنات التي تدير حركاتنا وتشرف عليها

إنما هو في ذلك التلفيف، فهو الذي يشعرنا بالتأثيرات العقلية وبشخصيتنا.

ولقد قلت: إن ما نسميه الموت إنما هو مفارقة تلك الكائنات لأبداننا. والمسألة

كلها في زعمي هي مسألة ما يجري للكائنات المرشدة التي مقرها في تلفيف بروكا؛

إذ المعقول أن الكائنات الأخرى التي تعمل عملا ميكانيكيا في أجسامنا تتشتت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٢٠