مناجاة الموتى التي يدعونها، فلست أدري لم يضيع الأشخاص الذين في العالم الآخر
وقتهم في تحريك مثلث من الخشب على مائدة عليها حروف الهجاء، وما غرضهم من
تحريك الموائد؟ هذا كله يظهر لي أنه من الأعمال الصبيانية حتى لا أستطيع أن
أبحث فيه بعين الجد والاهتمام، وعندي أنه إذا شئنا أن نتقدم تقدما حقيقيا في البحث
العقلي، وجب أن نقدم عليه بالآلات العلمية وبالطرق العلمية كما نفعل في الطب
والكهربائية والكيمياء وغيرها.
وأما ما أريد أن أعمله فهو أن أجهز الباحثين في المباحث العقلية النفسية بآلة
تلبس عملهم لباسا علميا، وهذه الآلة ستكون مثل مصراع أو تشبه مفتاحا صغيرا
يستطيع به رجل واحد ضعيف القوة أن يفتح مصراعا تدار به آلة قوتها 50 ألف
حصان، وستكون آلتي على هذا المثال حتى إن أصغر قوة تكبر بها كثيرا فتساعدنا
على بحثنا، ولا أقول أكثر من ذلك عن ماهيتها، وقد مضت علي مدة وأنا أشتغل
بتفاصيلها، وكان يعاونني في عملي هذا صديق فتوفي منذ حين، ولما كان يعلم ما أنا
ساع إليه فالواجب أن يكون أول من يقدم على استعمال هذه الآلة إن استطاع ذلك.
واعلم أني لا أدعي أني أعلم شيئا عن بقاء الشخصيات بعد الموت، ولا أعد
بمخاطبة الذين انتقلوا من هذا الوجود، وإنما أقول: إني ساع في تجهيز الباحثين
النفسيين بآلة قد تساعدهم في عملهم كما يساعد المكرسكوب رجال الطب في مباحثهم،
وإذا عجزت هذه الآلة عن أن تكشف لنا شيئا خارق العادة فإني أفقد كل ثقة وإيمان
ببقاء الشخصيات بعد الموت كما نعرفه في هذا الوجود.
ومما يقال عن المستر أديصن أنه لا يصدق المذاهب المعروفة في الحياة
والموت؛ لأنه يعتقد أنها فاسدة الأساس. قال لي باسطا مذهبه فيهما: عندي أن
الحياة كالمادة غير قابلة للفناء، فقد كان في هذا العالم مقدار معين من الحياة على
الدوام، وسيبقى هذا المقدار كما هو على الدوام، فإنك لا تستطيع خلق الحياة ولا
إبادتها ولا مضاعفتها. وفي اعتقادي أن أجسامنا مركبة من ملايين من الكائنات
المتناهية في صغرها، وكل منها حي مفرد ويرتبط بعضها ببعض لتكوين الإنسان.
ونحن نقول عن أنفسنا: إن كلا منا شخص واحد قائم بنفسه، ونتكلم عن الهرة أو
الفيل أو الحصان أو السمكة كأن كلا منها فرد قائم برأسه. ولكني أرى أن طريقة
التفكير هذه فاسدة الأساس، فإن هذه الأشياء كلها تظهر أنها بسيطة مفردة؛ لأن
الكائنات الحية التي تتألف منها أصغر من أن ترى حتى بأعظم المكبرات.
وقد يعترض على هذا الرأي بأنه إذا كانت هذه الكائنات الصغيرة إلى هذا
الحد فلا يمكن أن تكون مؤلفة من أعضاء مختلفة تستطيع القيام بالأعمال التي
سأذكرها. فأقول في الرد على ذلك: إنه لا حد لصغر الأشياء، كما أنه لا حد لكبرها
واكتشاف الألكترون خير جواب على مثل هذا الاعتراض، فقد ظهر لي بالحساب
أنه يمكن وجود حي متقن التركيب والتنظيم مؤلف من ملايين من الألكترونات
الصغيرة التي لا ترى بما نعرف من المكبرات.
وهناك دلائل كثيرة تدل على أننا نحن الخلائق البشرية يتصرف كل منا
تصرف جماعة من الأحياء لا تصرف حي واحد، وهذا ما يحملني على اعتقاد أن
كلا منا يحتوي على ملايين من الأحياء، وأن أجسامنا وعقولنا تمثل أفعال الكائنات
التي تتألف منها.
ولننظر الآن في السبب الذي يحملني على القول بأنه لا بد أن تكون أجسامنا
مؤلفة من هذه الكائنات. خذ بصمة إبهامك كما يفعل البوليس في بصم أباهم
المشبوهين، ثم أزل خطوط إبهامك بحرقها بالنار، فمتى نما الجلد ثانية تجد أن
خطوطه لم تتغير ألبتة عما كانت عليه قبل احتراقه، وقد امتحنت ذلك بنفسي حتى
تحققته، هذا سر من الأسرار ما فتئ مغلقا حتى الآن، تقول لي: إن هذا عمل
الطبيعة، وهو جواب يراد به التفصي لا غير؛ إذ لا معنى له، بل هو وسيلة
لإسكات السائل بذكر كلمة فارغة مكان الجواب. إن كلمة (طبيعة) ما أقنعتني قط،