تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كقوله

أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون

البقرة 5، وقوله تعالى

قد أفلح المؤمنون

المؤمنون 1 الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ولا يفلح الساحر ﴾ مضارع أفلح بمعنى نال الفلاح. والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب. ومنه قول لبيد

فاعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل

فقوله " ولقد أفلح من كان عقل " يعني أن من رزقه الله العقل فاز بأكبر مطلوب. ويطلق الفلاح أيضا على البقاء والدوام في النعيم. ومنه قول لبيد

لو أن حيا مدرك الفلاح لناله ملاعب الرماح

فقوله " مدرك الفلاح " يعني البقاء. وقول الأضبط بن قريع السعدي، وقال كعب بن زهير

لكل هم من الهموم سعه والمسى والصبح لا فلاح معه

يعني أنه ليس مع تعاقب الليل والنهار بقاء. وبكل واحد من المعنيين فسر بعض أهل العلم " حي على الفلاح " في الأذان والإقامة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ حيث أتى ﴾ حيث كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان، ربما ضمنت معنى الشرط. فقوله ﴿ ولا يفلح الساحر حيث أتى ﴾ أي حيث توجه وسلك. وهذا أسلوب عربي. معروف يقصد به التعميم. كقولهم فلان متصف بكذا حيث سير، وأية سلك، وأينما كان. ومن هذا القبيل قول زهير

بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا وزودوك اشتياقا أية سلكوا

وقال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية ﴿ ولا يفلح الساحر حيث أتى ﴾ أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض. وقيل حيث احتال. والمعنى في الآية هو ما بينا والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى اعلم أن السحر يطلق في اللغة على كل شيء خفي سببه ولطف ودق. ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء أخفى من السحر. ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري

جعلت علامات المودة بيننا مصائد لحظ من أخفى من السحر فأعرف منها الوصل في لين طرفها وأعرف منها الهجر في النظر الشزر

ولهذا قيل لملاحة العينين سحر. لأنها تصيب القلوب بسهامها في خفاء. ومنه قول المرأة التي شببت بنصر بن حجاج السلمي

وانظر إلى السحر يجري في لواحظه وانظر إلى دعج في طرفه الساجي

المسألة الثانية اعلم أن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانع. لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعا لها مانعا لغيرها. ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافا متباينا. المسألة الثالثة اعلم أن الفخر الرازي في تفسيره قسم السحر إلى ثمانية أقسام القسم الأول سحر الكلدانيين والكسدائيين الذين كانوا في قديم الدهر يعبدون الكواكب، ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور، والسعادة والنحوسة، وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلا لمقالتهم ورادا عليهم.

وقد أطال الكلام في هذا النوع من السحر. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له ومعلوم أن هذا النوع من السحر كفر بلا خلاف. لأنهم كانوا يتقربون فيه للكواكب كما يتقرب المسلمون إلى الله، ويرجون الخير من قبل الكواكب ويخافون الشر من قبلها كما يرجو المسلمون ربهم ويخافونه. فهم كفرة يتقربون إلى الكواكب في سحرهم بالكفر بالبواح. النوع الثاني من السحر سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية. ثم استدل على تأثير الوهم بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودا على نهر أو نحوه قال وما ذاك إلا أن تخيل السقوط متى قوي أوجبه. وقال واجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان والدوران. وما ذاك إلا أن النفوس خلقت مطيعة للأوهام. قال وحكى صاحب الشفاء عن أرسطو في طبائع الحيوان أن الدجاجة إذا تشبهت كثيرا بالديكة في الصوت وفي الحراب مع الديكة نبت على ساقها مثل الشيء النابت على ساق الديك، قال ثم قال صاحب الشفاء وهذا يدل على أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية. قال واجتمعت الأمم على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل العمل عديم الأثر. فدل ذلك على أن للهمم والنفوس آثارا.. إلى آخر كلامه في هذا النوع من أنواع السحر، وقد أطال فيه الكلام. ومعلوم أن النفوس الخبيثة لها آثار بإذن الله تعالى، ومن أصرح الأدلة الشرعية في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٩٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٩٨١