19.53
معنى الآية الكريمة أن الله وهب لموسى نبوة هارون. والمعنى أنه سأله ذلك فآتاه سؤله. وهذا المعنى أوضحه تعالى في آيات أخر، كقوله في سورة " طه " عنه
واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري
إلى قوله
قال قد أوتيت سؤلك يموسى
طه 29-36، وقوله في " القصص "
قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنآ أنتما ومن اتبعكما الغالبون
القصص 33-35، وقوله في سورة " الشعراء "
وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنآ إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين
الشعراء 10-16 فهذه الآيات تبين أنه سأل ربه أن يرسل معه أخاه، فأجاب ربه جل وعلا سؤاله في ذلك. وذلك يبين أن الهبة في قوله ﴿ ووهبنا ﴾ هي في الحقيقة واقعة على رسالته لا على نفس هارون، لأن هارون أكبر من موسى، كما قاله أهل التاريخ.
19.54-55
أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة - أن يذكر في الكتاب وهو هذا القرآن العظيم جده إسماعيل، وأثنى عليه أعني إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا. ومما يبين من القرآن شدة صدقه في وعده أنه وعد أباه بصبره له على ذبحه ثم وفى بهذا الوعد. ومن وفى بوعده في تسليم نفسه للذبح فإن ذلك من أعظم الأدلة على عظيم صدقه في وعده. قال تعالى
فلما بلغ معه السعي قال يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين
الصافات 102 فهذا وعده. وقد بين تعالى وفاءه به في قوله
فلما أسلما وتله للجبين
الصافات 103 الآية. والتحقيق أن الذبيح هو إسماعيل. وقد دلت على ذلك آيتان من كتاب الله تعالى دلالة واضحة لا لبس فيها. وسنوضح ذلك إن شاء الله غاية الإيضاح في سورة " الصافات ". وثناؤه جل وعلا في هذه الآية الكريمة على نبيه إسماعيل بصدق الوعد يفهم من دليل خطابه - أعني مفهوم مخالفته - أن إخلاف الوعد مذموم. وهذا المفهوم قد جاء مبينا في مواضع أخر من كتاب الله تعالى. كقوله تعالى
فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون
التوبة 77 وقوله
يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
الصف 2-3 إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث
" آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ".
وقوله تعالى في هذه الآية ﴿ وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة ﴾. قد بين في مواضع أخر - أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك الذي أثنى الله به على جده إسماعيل، كقوله تعالى
وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها
طه 132.. الآية. ومعلوم أنه امتثل هذا الأمر. وكقوله
يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا
التحريم 6 الآية. ويدخل في ذلك أمرهم أهليهم بالصلاة والزكاة. إلى غير ذلك من الآيات. مسألة اختلف العلماء في لزوم الوفاء بالعهد. فقال بعضهم يلزم الوفاء به مطلقا. وقال بعضهم لا يلزم مطلقا. وقال بعضهم إن أدخله بالوعد في ورطة لزم الوفاء به، وإلا فلا. ومثاله - ما لو قال له تزوج. فقال له ليس عندي ما أصدق به الزوجة. فقال تزوج والتزم لها الصداق وأنا أدفعه عنك، فتزوج على هذا الأساس، فإنه قد أدخله بوعده في ورطة التزام الصداق. واحتج من قال يلزمه بأدلة منها آيات من كتاب الله دلت بظواهر عمومها على ذلك وبأحاديث.
فالآيات كقوله تعالى