19.11
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن زكريا خرج على قوله من المحراب فأشار إليهم، أو كتب لهم، أن سبحوا الله أول النهار وآخره. فالبكرة أول النهار، والعشي آخره. وقد بين تعالى في " آل عمران " أن هذا الذي أمر به زكريا قومه بالإشارة أو الكتابة من التسبيح بكرة وعشيا - أن الله أمر زكرياء به أيضا، وذلك في قوله
واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار
آل عمران 41. والظاهر أن هذا المحراب الذي خرج منه على قومه هو المحراب الذي بشر بالولد وهو قائم يصلي فيه المذكور في قوله تعالى
فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب
آل عمران 39. قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية والمحراب أرفع المواضع، وأشرف المجالس. وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض اه. وقال الجوهري في صحاحه قال الفراء المحاريب صدور المجالس، ومنه سمي محراب المسجد، والمحراب الغرفة. قال وضاح اليمن
ربة محراب إذا جئتها لم ألقها أو أرتقي سلما
ومن هذا المعنى قوله تعالى
كلما دخل عليها زكريا المحراب
آل عمران 37 الآية. تنبيه أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة مشروعية ارتفاع الإمام على المأمومين في الصلاة. لأن المحراب موضع صلاة زكريا، كما دل عليه قوله ﴿ وهو قائم يصلي في المحراب ﴾. والمحراب أرفع من غيره، فدل ذلك على ما ذكر. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعا عندهم. وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار، فأجاز ذلك الإمام أحمد وغيره، متمسكا بقصة المنبر. ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير. وعلل أصحابه المنع بخوف الكبر على الإمام. قلت وهذا فيه نظر، وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان. فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه. فلما فرغ من صلاته قال ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا، أو ينهى عن ذلك؟ قال بلى، ذكرت ذلك حين مددتني. وروي أيضا عن عدي بن ثابت الأنصاري قال حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن. فأقيمت الصلاة فتقدم عمار بن ياسر، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة. فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
" إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم "
أو نحو ذلك؟ فقال عمار لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي. قلت فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر.
فدل على أنه منسوخ، ومما يدل على نسخه أن فيه عملا زائدا في الصلاة وهو النزول والصعود، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام. وهذا أولى مما اعتذر به أصحابنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما من الكبر. لأن كثيرا من الأئمة يوجدون لا كبر عندهم. ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيرا، والله أعلم. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى. قال مقيدة عفا الله عنه سنتكلم هنا إن شاء الله تعالى على الأحاديث المذكورة، ونبين أقوال العلماء في هذه المسألة، وأدلتهم وما يظهر رجحناه بالدليل. أما الحديثان اللذان ذكرهما القرطبي عن أبي داود ساقهما أبو داود في سننه حدثنا أحمد بن سنان وأحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي المعنى قال ثنا يعلى ثنا الأعمش عن إبراهيم عن همام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، إلى آخر الحديث. ثم قال أبو داود رحمه الله حدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني أبو خالد عن عدي بن ثابت الأنصاري، حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن. إلى آخر الحديث. ولا يخفى أن هذا الحديث الأخير ضعيف. لأن الراوي فيه عن عمار رجل لا يدرى من هو كما ترى. وأما الأثر الأول فقد صححه غير واحد، وروى مرفوعا صريحا. قال ابن حجر في التلخيص في الكلام على الأثر والحديث المذكورين ويعارضه ما رواه أبو داود من طريق همام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال بلى. وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وفي رواية للحاكم التصريح برفعه. ورواه أبو داود من وجه آخر، وفيه أن الإمام كان عمار بن ياسر، والذي جبذه حذيفة، وهو مرفوع لكن فيه مجهول. والأول أقوى، ويقويه ما رواه الدارقطني من وجه آخر عن همام عن أبي مسعود نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه أسفل منه. اه من التلخيص. وقال النووي في شرح المهذب في الكلام على حديث صلاة حذيفة على الدكان وجبذ أبي مسعود له المذكور رواه الشافعي وأبو داود والبيهقي. ومن لا يحصى من كبار المحدثين ومصنفيهم، وإسناده صحيح. ويقال جذب وجبذ، لغتان مشهورتان اه منه. وأما قصة المنبر التي أشار لها القرطبي، وقال إنها حجة من يجيز ارتفاع الإمام على المأموم - فهي حديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر في أول يوم وضع، فكبر وهو عليه ثم ركع ثم نزل القهقرى فسجد وسجد الناس معه، ثم عاد حتى فرغ، فلما انصرف قال