تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19.25-26

قوله تعالى ﴿ وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا ﴾. لم يصرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة ببيان الشيء الذي أمرها أن تأكل منه، والشيء الذي أمرها أن تشرب منه. ولكنه أشار إلى أن الذي أمرها أن تأكل منه هو " الرطب الجني " المذكور. والذي أمرها أن تشرب منه هو النهر المذكور المعبر عنه " بالسري " كما تقدم - هذا هو الظاهر. وقال بعض العلماء إن جذع النخلة الذي أمرها أن تهز به كان جزعا يابسا فلما هزته جعله الله نخلة ذات رطب جني. وقال بعض العلماء كان الجذع جذع نخلة نابتة إلا أنها غير مثمرة، فلما هزته أنبت الله فيه الثمر وجعله رطبا جنيا. وقال بعض العلماء كانت النخلة مثمرة، وقد أمرها الله بهزها ليتساقط لها الرطب الذي كان موجودا. والذي يفهم من سياق القرآن أن الله أنبت لها ذلك الرطب على سبيل خرق العادة، وأجرى لها ذلك النهر على سبيل خرق العادة. ولم يكن الرطب والنهر موجودين قبل ذلك، سواء قلنا إن الجذع كان يابسا أو نخلة غير مثمرة، إلا أن الله أنبت فيه الثمر وجعله رطبا جنيا. ووجه دلالة السياق على ذلك أن قوله تعالى ﴿ فكلي واشربي وقري عينا ﴾ يدل على أن عينها إنما تقر في ذلك الوقت بالأمور الخارقة للعادة لأنها هي التي تبين براءتها مما اتهموها به. فوجود هذه الخوارق من تفجير النهر، وإنبات الرطب، وكلام المولود تطمئن إليه نفسها وتزول به عنها الريبة، وبذلك يكون قرة عين لها لأن مجرد الأكل والشرب مع بقاء التهمة التي تمنت بسببها أن تكون قد ماتت من قبل وكانت نسيا منسيا لم يكن قرة لعينها في ذلك الوقت كما هو ظاهر. وخرق الله لها العادة بتفجير الماء، وإنبات الرطب، وكلام المولود لا غرابة فيه. وقد نص الله جل وعلا في " آل عمران " على خرقه لها العادة في قوله

كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب

آل عمران 37. قال العلماء كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. وإجراء النهر وإنبات الرطب ليس أغرب من هذا المذكور في سورة " آل عمران ". مسألة أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ وهزى إليك بجذع النخلة ﴾ مريم 25 الآية - أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق أمر مأمور به شرعا وأنه لا ينافي التوكل على الله جل وعلا.

وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة. أن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعا لا ينافي التوكل على الله بحال لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه. فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر. ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف. ومن أصرح الأدلة في ذلك - قوله تعالى

قلنا ينار كوني بردا وسلاما على إبراهيم

الأنبياء 69 الآية. فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجزأ إلى معان مختلفة، ومع هذا أحرقت الحطب فصار رمادا من حرها في الوقت الذي هي كائنة بردا وسلاما على إبراهيم. فدل ذلك دلالة قاطعة على أن التأثير حقيقة إنما هو بمشيئة خالق السموات والأرض، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا. ومن أوضح الأدلة في ذلك - أنه ربما جعل الشيء سببا لشيء آخر مع أنه مناف له كجعله ضرب ميت بني إسرائيل ببعض من بقرة مذبوحة سببا لحياته، وضربه بقطعة ميتة من بقرة ميتة مناف لحياته. إذ لا تكسب الحياة من ضرب بميت؟ وذلك يوضح أنه جل وعلا يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، ولا يقع تأشير ألبتة إلا بمشيئته جل وعلا. ومما يوضح أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله - قوله تعالى عن يعقوب

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨٧٩