تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19.78-80

قوله تعالى ﴿ أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا ﴾. اعلم أن الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة رد على العاص بن وائل السهمي قوله إنه يؤتى يوم القيامة مالا وولدا، بالدليل المعروف عند الجدليين بالتقسيم والترديد، وعند الأصوليين بالسير والتقسيم. وعند المنطقيين بالشرطي المنفصل. وضابط هذا الدليل العظيم أنه متركب من أصلين أحدهما - حصر أوصاف المحل بطريق من طرق الحصر، وهو المعبر عنه بالتقسيم عند الأصوليين والجدليين، وبالشرطي المنفصل عند المنطقيين. والثاني - هو اختيار تلك الأوصاف المحصورة، وإبطال ما هو باطل منها وإبقاء ما هو صحيح منها كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى. وهذا الأخير هو المعبر عنه عند الأصوليين " بالسبر " ، وعند الجدليين " بالترديد " ، وعند المنطقيين، بالاستثناء في الشرطي المنفصل. والتقسيم الصحيح في هذه الآية الكريمة يحصر أوصاف المحل في ثلاثة، والسبر الصحيح يبطل اثنين منها ويصحح الثالث وبذلك يتم إلقام العاص بن وائل الحجر في دعواه أنه يؤتى يوم القيامة مالا وولدا. أما وجه حصر أوصاف المحل في ثلاثة فهو أنا نقول قولك إنك تؤتي مالا وولدا يوم القيامة لا يخلو مستندك فيه من واحد من ثلاثة أشياء الأول - أن تكون اطلعت على الغيب، وعلمت أن إيتاءك المال والولد يوم القيامة مما كتبه الله في اللوح المحفوظ. والثاني - أن يكون الله أعطاك عهدا بذلك، فإنه إن أعطاك عهدا لن يخلفه. الثالث - أن تكون قلت ذلك افتراء على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب. وقد ذكر تعالى القسمين الأولين في قوله ﴿ أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا ﴾ مبطلا لهما بأداة الإنكار. ولا شك أن كلا هذين القسمين باطل. لأن العاص المذكور لم يطلع الغيب. ولم يتخذ عند الرحمن عهدا. فتعين القسم الثالث وهو أنه قال ذلك افتراء على الله. وقد أشار تعالى إلى هذا القسم الذي هو الواقع بحرف الزجر والردع وهو قوله، ﴿ كلا ﴾ أي لأنه يلزمه ليس الأمر كذلك، لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهدا، بل قال ذلك افتراء على الله، لأنه لو كان أحدهما حاصلا لم يستوجب الردع عن مقالته كما ترى. وهذا الدليل الذي أبطل به دعوى ابن وائل هذه هو الذي أبطل به بعينه دعوى اليهود أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة في سورة " البقرة " قسم اطلاع الغيب المذكور في " مريم " لدلالة ذكره في " مريم " على قصده في " البقرة " كما أن كذبهم الذي صرح به في " البقرة " لم يصرح به في " مريم " لأن ما في " البقرة " يبين ما في " مريم " لأن القرآن العظيم يبين بعضه بعضا.

وذلك في قوله تعالى

وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون

البقرة 80 فالأوصاف هنا هي الأوصاف الثلاثة المذكورة في " مريم " كما أوضحنا، وما حذف منها يدل عليه ذكره في " مريم " فاتخاذ العهد ذكره في " البقرة ومريم " معا والكذب في ذلك على الله صرح به في " البقرة " بقوله

أم تقولون على الله ما لا تعلمون

البقرة 80 وأشار له في " مريم " بحرف الزجر الذي هو ﴿ كلا ﴾ واطلاع الغيب صرح به في " مريم " وحذفه في " البقرة " لدلالة ما في " مريم " على المقصود في " البقرة " كما أوضحنا. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة. المسألة الأولى اعلم أن هذا الدليل الذي هو السبر والتقسيم تكرر وروده في القرآن العظيم، وقد ذكرنا الآن مثالين لذلك أحدهما في " البقرة " والثاني في " مريم " كما أوضحناه آنفا. وذكر السيوطي في الإتقان في كلامه على جدل القرآن مثالا واحدا للسبر والتقسيم، ومضمون المثال الذي ذكره باختصار، هو ما تضمنه قوله تعالى

ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٩٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٩٣٧